فن أن تكون دائما على صواب - آرثور شوبنهاور.pdf

0

\” أعظم سلاح المغالط هو التلبيس و التدليس ، أي ديدنه أن يعتمد الحجج الملتوية المرائية و أن يدع المستقيمة منها . و لما كان الإنسان آثر لتلك المرائية و أهرع إليها ، لما في طبعه من أنانية و محبة للذات ، إذ ليس عنده أوغل في المهانة من رؤيتها منكسرة ذليلة ، و لما عرف به من ميل إلى الخديعة و المكيدة ، و لما أحطت به من أن طريق قويم الحجج و صائبها أضيق ،\r\nو أن طريق ملوي الحجج و كاذبها أرحب ؛ وجب فحص هذا النمط من الحجج المرائية و المموهة قصد الوقوف على طبيعتها ،و من ثم ، تحديد سبل نقضها . ذلك أن كل معتمد على حجج مموهة يفرض علينا خيارين : إما أن نبين مكمن المغالطة ، فنقطع عليه مكالمته ؛ و إما أن نجاريه في ذلك ، و نعمل على التصدي له و نقد مغالطته . و ما دام الأمر كذلك ، فقد بانت أهمية العلم بالمغالطات للاقتدار على نقضها و التصدي لمختلف أساليب التضليل و التغليط . فعلى ناقد المغالطات أن يكون دارياً بأصول و ضوابط الصناعة ، و أن يمتلك قدرات تحليلية و تقويمية تمكنه من أكتساب مختلف آليات العرض و الأعتراض . فمن علمها و عمل بها نجح في أن يقطع على المغالط تضليله ، وربما عكسه ضده ، و قلب الحجة عليه . و لئن كان من يجهل القانون لا يعذر ، فإن من يجهل هذه الحيل أو المغالطات أولى به أن يغلب و يهزم . فمن أتقن هذا النوع من الجدل و أجاد أساليبه ، فالنصر حليفه سواء في ذلك أكان محقاً أو مخطئاً\”

نبذة عن العمل

«فن أن تكون دائماً على صواب» هو العنوان العربي لرسالة قصيرة ألّفها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، ومعناها الأصلي «فن الاحتفاظ بالحق في الجدل»، وتعرف في الدراسات باسم «الجدلية الإريستيكية»، أي فن الجدل الهادف إلى الانتصار في المناقشة لا إلى كشف الحقيقة. يقوم النص على ثمانٍ وثلاثين أسلوباً أو حيلة يستعملها المجادل لإيهام خصمه والجمهور بأنه على صواب، من التعميم والاستطراد والإغراء باستنتاج ملتوٍ إلى لفت الانتباه والالتباس في الألفاظ وصولاً إلى الإساءة الشخصية حين تنفد الحجج. ولم ينشر شوبنهاور هذه الرسالة في حياته، إذ ظلت ضمن أوراقه الخاصة حتى ظهرت في المطبوعات بعد وفاته، واستند فيها إلى مذكرات محاضرات أعدّها نحو عام 1830.

نبذة عن المؤلف

آرثر شوبنهاور (1788–1860) من أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر، وُلد في مدينة غدانسك التي كانت تخضع آنذاك لسيادة بولندا، ودرس الفلسفة في جامعتي غوتنغن وبرلين، وتأثر بأفلاطون وكانت، واشتهر بنظره التشاؤمي إلى الوجود وبفكرته القائلة إن العالم جوهره إرادة عمياء. أشهر مؤلفاته «العالم إرادة وتمثلاً» الذي صدر عام 1818، ثم مجموعة «باريرغا وباراليبومينا» عام 1851 التي ضمت مقالات متنوعة وجعلته معروفاً لدى جمهور أوسع من دائرة الفلاسفة.

سياق العمل

نشأت الرسالة في بيئة أكاديمية كانت المناظرات فيها ممارسة يومية بين الأساتذة والطلبة، فلاحظ شوبنهاور أن كثيراً من المتناظرين لا يسعى إلى صدق الرأي بل إلى انتصاره، وفرّق بين المنطق الذي يخدم البحث عن الحقيقة وبين الجدل الذي يخدم كسب النقاش. ورأى أن معرفة حيل المجادلين ضرورة دفاعية لكل باحث عن الصواب، لأن من يجهل تلك الحيل يكون أولى الناس للوقوع فيها والهزيمة أمامها، وقد سبقت هذه الرؤية الدراسات الحديثة في المغالطات ونظرية الإقناع بعقود طويلة.

الموضوعات والأفكار

يدور النص حول فكرة مفادها أن الإنسان أسرع إلى الظن منها إلى البرهان، وأن هذه الطبيعة تجعل المغالطة سلاحاً فعالاً في يد المجادل. لذلك عرض شوبنهاور كل حيلة على حدة ببيان صورتها ومثال عليها وطريقة نقضها، من مداخل مثل التوسع في التعميم، وتحويل النقاش إلى نتيجة أبعد من مقامه، ووضع الخصم في موقع الدفاع عن قول لم يقله، والاستفادة من غموض المصطلحات، وإثارة انفعال الخصم ليفقد اتزانه. والفكرة الجامعة أن الجدل مهارة قابلة للتعلم، وأن وعي القارئ بتلك الأساليب يمنحه حصانة أمامها وقدرة على قلب الحجة على صاحبها، كما يشير إلى ذلك العرض العربي لنص «فن الاحتفاظ بالحق» في مقدمة الدراسات عن المغالطات.

الأسلوب الفني

كتب شوبنهاور رسالته بأسلوب مباشر موجز، صنّف فيه الأساليب ترقيماً منتظماً، وأدعم كل صنف بأمثلة من حوارات الناس اليومية، مع نبرة ساخرة تكشف هزلية كثير من المناظرات الرسمية. وقد ساعد هذا البناء التصنيفي القارئ على استخدام الكتاب دليلاً عملياً لا نصاً نظرياً بعيداً عن الواقع، فصارت حيله الاثنتان والثلاثون عبارات متداولة في ثقافة الحوار الحديث.

مكانة العمل وتأثيره

تُعد الرسالة من أكثر نصوص شوبنهاور القصيرة تداولاً بين القراء غير المتخصصين، وقد قرئت لاحقاً بوصفها مقدمة مبكرة لدراسة المغالطات المنطقية وعلم نفس الحوار ونظريات التأثير الاجتماعي. وترجمت إلى لغات كثيرة ومنها العربية، وأصبحت مرجعاً شائعاً لمن يريد فهم أساليب التضليل في النقاشات العامة والخاصة، والتصدي لها بأدوات التحليل لا بمجرد الجدل المقابل.