لا أحد ينام في الإسكندرية - إبراهيم عبد المجيد.pdf

0

\”\”\”لقد كره البهى مبكراً كل محاولة لأن يتعلم حرفاً في الكتاب أو الزاوية أو البيت. ولم يكره شيئاً مثل كرهه للفرحة والفلاحين! قالوا ذلك لوسامته، وقالوا لهيبة في قلبه، وقال الأب دائماً والحسرة في عينيه \”\”هكذا هو خلقة\”\”. اختارت له الأم اسم \”\”البهى\”\” لأنها ولدته في ليلة السابع والعشرين من رمضان. لقد رأت وهو ينزلق منها طاقة نور يخرج معه تضئ الحجرة وتمشى على الجدران.\r\nوبكت القابلة وهي تلفه في القماط، وتقول لأمه أن تخفيه عن العيون، فهو فضلاً عن طاقة النور التي خرجت معه، ولد مختوناً، إنه ولد طاهر من البداية منذور لخير عميم.\r\nوهكذا لم ير الناس البهى إلا حين استطاع المشي، فتسلل من كوة الباب الخشبي الكبير، وتدحرج في الزقاق الضيق يحيط بوجهه الضوء العجيب, ولم ينته جزع الأم إلا بعد أن أنجبت بعده ثلاث بنات ثم مجد الدين. لم تعد أم الذكور فقط. جزع الأب هو الذي لم ينته. لقد فطن بكراً إلى أن في عيني البهي نزفاً غير مألوف في العائلة، مع أن للعيون في العائلة اللون الأخضر نفسه الذي أخذه الجميع من الأم، في عيني البهي وحده اللون الأزرق! وهذا أيضاً عجيب.\r\nما كاد البهي يبلغ مرحلة الصبا، حتى راح يخرج من الدار مع الصباح، ولا يعود إلا في المساء، لينام دون حديث مع أحد. لم يسأله أحد أين يمضي يومه. الأم ممتلئة بالحنان، والأب لا يستطيع أن يفسر لنفسه، هذا الضعف الذي قذف به الله إلى قلبه تجاه الغلام. شيئاً فشيئاً صار البهي وسط العائلة مثل خيال، يخرج الإخوة في الصباح الباكر إلى الحقول، ويخرج هو بعدهم لكن لا يعرف أحد إلى أين، يعودون في المساء متعبين ليتناولوا عشاءهم ويناموا مبكراً، وتظل الأم لا تنام، إلا بعد أن تسمع صرير كوة الباب، وخفقات قلب البهي المتسلل عائداً. ثم راح يغيب لأكثر من يوم وليلة ويعود ينام في أقرب مكان يقابله، مع البهائم، مع الدجاج، فوق الفرن، في الباحة بين الحجرات. المهم أنه لم يعد ينام في حجرة بها أحد من إخوته، ولا يزال الأب لا يدري سر هذا الضعف الذي يتملكه أمام ابنه العجيب، والابن المسالم لا تأتي من جرائه أي شرور حتى الآن، ثم انكشف سر البهي وملأ فضاء القرية…\”\”\”

نبذة عن العمل

رواية للكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد، وتُعد من أبرز أعماله وأكثرها حضوراً في الأدب العربي المعاصر. تفتتح الرواية بملاحظة تفصيلية عن شخصية البهي، صاحب العينين الزرقاوين الوليد في ليلة من ليالي رمضان، وترصد ملامح طفولته في قرية مصرية وسط عائلة من الفلاحين، وتراكم الحيرة حول شخصيته التي تخرج عن المألوف، ليتبدل المشهد بعد ذلك إلى فضاء أوسع في مدينة الإسكندرية.

نبذة عن المؤلف

إبراهيم عبد المجيد روائي مصري بارز، يعد أحد أعلام الرواية العربية المعاصرة. صدرت له أعمال عديدة حظيت باهتمام النقاد والقراء، ونال عنها جوائز أدبية مرموقة. تميزت كتاباته بمعالجة تاريخ مصر الحديث والهموم الإنسانية في إطار سردي محكم يجمع بين الواقعية والتأمل.

سياق العمل

تنتمي الرواية إلى الأدب الواقعي الذي يصور التحولات الاجتماعية في مصر. تستحضر مطلع النص بيئة الريف المصري في فترة زمنية سابقة، ثم تنتقل بالأحداث إلى مدينة الإسكندرية التي شهدت تحولات كبرى في منتصف القرن العشرين. يعكس العمل اهتمام الكاتب بتتبع مصير الفرد داخل التغيرات التاريخية والاجتماعية الكبرى.

الموضوعات والأفكار

تتناول الرواية موضوعات الفرد والمجتمع، والهوية والاغتراب، والتحول من الريف إلى المدينة. تطرح سؤالاً حول مكانة الشخص المختلف في محيطه، وصراع التقاليد مع الطموحات الجديدة، وتصور الحياة في مدينة الإسكندرية المفتوحة على البحار والثقافات، فضلاً عن المعاني الإنسانية للعائلة والانتماء.

الأسلوب الفني

يمتاز أسلوب إبراهيم عبد المجيد بالسرد الوصفي المفصل والحوارات الطبيعية، مع اهتمام بالبناء الزمني وتطور الشخصيات. يمزج بين الواقعية واللمحات الرمزية، ويوظف تفاصيل الحياة اليومية لرسم أجواء عصرية عاكسة للمكان والزمان.

مكانة العمل وتأثيره

تُعد الرواية من الأعمال المؤسسة في مسيرة الكاتب وفي الرواية العربية الحديثة، وقد نالت إشادة نقدية واسعة. ساهمت في ترسيخ حضور إبراهيم عبد المجيد في المشهد الأدبي، وأصبحت تُدرس وتُناقش في الأوساط الأدبية العربية.

معلومات النشر والترجمات

نُشرت الرواية باللغة العربية، وقد حصل الكاتب عن عدد من أعماله على جوائز أدبية، ولا تتوفر معلومات مؤكدة عن تاريخ النشر الأول أو ترجمات الرواية إلى لغات أخرى.