مقدمة ابن خلدون - ابن خلدون.pdf

0
Muqaddimah Ibn Khaldun

مقدمة ابن خلدون، أشهر مؤلفات المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون، مقدمة لكتابه العبر، وتعد أول دراسة منهجية في علم الاجتماع والتاريخ عند العرب، وفيها أسس نظريته في العمران البشري والعصبية.

نبذة عن العمل

المقدمة هي الجزء الأول من كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، الذي شرع ابن خلدون في تأليفه في قلعة ابن سلامة في بلاد المغرب الأوسط نحو سنة 776هـ، وأنهاه في مدة قاربت خمسة أشهر. وضمّنها خلاصة تأملاته في أحوال الأمم والمجتمعات وطبائع العمران. وانتظمت في ستة أبواب كبرى تناول فيها العمران البشري وأحواله، والعمران البدوي والقبائل، والدول والملك والخلافة، والعمران الحضري والبلدان، والصنائع والمعاش والكسب، والعلوم واكتسابها وتعليمها. وقدّم المؤلف لها بتعريف ما سماه «علم العمران»، ووصفه بأنه علم مستقل موضوعه العمران البشري والاجتماع الإنساني، ويعد في نظره علماً لم يسبقه إليه أحد. وقد افتتح ابن خلدون الأبواب ببيان أن الاجتماع الإنساني ضروري لبقاء النوع، وأن الإنسان مدني بالطبع محتاج إلى التعاون في تحصيل معاشه ودفع ما يتهدده، ومن هذا المنطلق نظر إلى العمران بوصفه ظاهرة تتحكم فيها قوانين مطردة.

نبذة عن المؤلف

هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، وُلد في تونس سنة 732هـ، ونشأ في أسرة عريقة من أصل أندلسي هاجرت إلى المغرب بعد سقوط الأندلس. حفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الشرعية واللغوية والعقلية على شيوخ عصره، وأفاد من رحلة علمية زار فيها المغرب والأندلس. تقلّب في المناصب والولايات في تونس وتلمسان وغرناطة وبجاية، ثم نزل مصر وتولى قضاء المالكية فيها مرات عدة، وتوفي في القاهرة سنة 808هـ. وقد جمع بين الخبرة السياسية العملية والنظر العلمي الدقيق، وهو ما انعكس في عمق تحليلاته وقدرته على تفسير أحداث التاريخ تفسيراً عِلّياً. ويعد ابن خلدون من أعلام الفكر العربي الإسلامي، ويرد اسمه مقروناً بتأسيس علم الاجتماع وفلسفة التاريخ. وبرزت مكانته العلمية في غير بلد، فدرس في الجامع الأعظم بتونس ومارس الإفتاء، وحظي بثقة الحكام الذين أسندوا إليه السفارات والوساطات السياسية، وهي تجربة انعكست في فهمه لدقائق السلطة.

سياق العمل

أُلّفت المقدمة في حقبة شهد فيها العالم الإسلامي اضطرابات سياسية وتحولات كبرى، في أعقاب انهيار دول المغرب والأندلس وتفشي وباء الطاعون الذي أودى بحياة عدد كبير من أهل عصره. وقد استفاد ابن خلدون من تجربته الطويلة في دواوين الحكم وملازمته لأصحاب السلطان، فجمع بين المشاهدة المباشرة لأحوال الدول والاطلاع الواسع على كتب التاريخ والجغرافيا. وأراد من وراء الكتاب أن يضع علماً جديداً يفسر أخبار التاريخ ويمحص رواياته، ويعرضها على أصول وقواعد تحكم العمران البشري، بدلاً من سرد الحوادث سرداً تقليدياً.

الموضوعات والأفكار

تتركز أفكار المقدمة حول مفهوم «العمران البشري» و«العصبية» التي يعدّها قوام الاجتماع وقوام الملك، وانتقال السلطان وتداول الملك بين القبائل، وأثر البيئة والمناخ في طبائع البشر وأخلاقهم. وتناولت نشوء الدولة وأطوارها التي تنتقل فيها من البداوة إلى الحضارة ثم الهرم والسقوط. كما بحثت في العلوم والصنائع وأثر الحضارة في الأخلاق والعادات، وميزت بين العمران البدوي والعمران الحضري في خصائصهما. ووضع ابن خلدون قواعد لتمحيص الأخبار التاريخية ونقد الروايات، ومنها عرض الخبر على قوانين الاجتماع وطبائع العمران قبل قبوله. كما عالج مسألة المعاش وأصنافه من الزراعة والصناعة والتجارة، وبين أثر الكسب في الأخلاق والاجتماع، وقارن بين أحوال البداوة والحضارة في الجرأة والضعف، وربط ظهور العلوم بتطور العمران واتساع الحضارة.

الأسلوب الفني

تمتاز المقدمة بأسلوب موسوعي محكم، جمع فيه المؤلف بين الدقة الاصطلاحية والتحليل العميق، مع إكثار من الشواهد التاريخية والملاحظات المستندة إلى المشاهدة والخبرة. ولغته عالية الجودة في الترسل العلمي، يغلب عليها الطابع الاستدلالي والتعليلي، إذ ينتقل من المقدمات إلى النتائج في منهج استقرائي واضح، ويميز بين المسائل ويحرر مواطن الاتفاق والخلاف. وقد أضفى عليها اتساق المصطلح وترابط الفصول طابعاً منهجياً عدّه الدارسون سابقاً لأوانه. واعتمد في عرضه على القسمة والتصنيف، فجزأ كل باب إلى فصول وعنونها بعبارات دالة، ما جعل الكتاب سهل المراجعة قريب المأخذ، وهو ما أسهم في ذيوعه بين الدارسين.

مكانة العمل وتأثيره

نالت المقدمة تقدير الباحثين في الشرق والغرب، وعُدّ ابن خلدون من جرائها مؤسساً لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ عند كثير من الدارسين، كما يذكر ذلك غير واحد من مؤرخي العلوم الاجتماعية. وترجمت إلى لغات عدة، وأثّرت في مؤرخين وعلماء اجتماع، ودرسها المستشرقون قديماً وحديثاً، وصارت مرجعاً أساسياً في الدراسات الاجتماعية والتاريخية والأنثروبولوجية، واستشهد بها باحثون في تفسير نشوء الدول وتداول الحضارات. وعدّه بعض المستشرقين ممن سبقوا عصره في منهج البحث الاجتماعي، فقارنوا بين منهجه ومناهج المؤرخين الأوروبيين المتأخرين، ووضعوا نظريته في العصبية والعمران موضع الدرس والتحليل.

معلومات النشر والترجمات

حُققت المقدمة في طبعات متعددة، من أبرزها طبعة بولاق القديمة وطبعة بيروت بتحقيق عدد من الباحثين، ونُشرت أجزاء من كتاب «العبر» كاملة في طبعات حديثة. وتُرجمت المقدمة إلى الفرنسية والتركية والإنجليزية ولغات أخرى، ومن أشهر الترجمات الكاملة إلى الفرنسية ترجمة المستشرق دي سلان. وقد وُضعت حولها دراسات وكتب كثيرة تناولت منهجها وأفكارها. للمزيد يمكن الرجوع إلى مقدمة ابن خلدون وابن خلدون في ويكيبيديا. وانتشرت دراسات تحقيق نص المقدمة انتشاراً واسعاً، وصدرت بطبعات مصورة ومحكمة في أكثر من بلد عربي، مع فهارس علمية مفصلة تعين على استخراج مسائلها.