لماذا قرر العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة أن علم الأدب العربي يقوم على أربعة دواوين كبرى هي أصوله وأركانه، وجعل في طليعتها كتاب «الكامل في اللغة والأدب» لإمام البصرة أبي العباس المبرد؟ وكيف استطاع هذا المصنف الفريد أن يمزج بين دقة الصناعة النحوية واللغوية وبين جمال التذوق الأدبي ورواية التاريخ؟ هذا هو السؤال الذي تثيره قراءة كتاب «الكامل في اللغة والأدب» لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد الأزدي (210–285هـ)، الذي يعد بحق مدرسة متكاملة لتكوين الذائقة العربية الفصيحة في القرن الثالث الهجري وما تلاه من عصور. فبين دفتي هذا الكتاب لا يواجه القارئ قواعد نحوية جافة، بل يدخل روضةً تجمع أروع خطب العرب ووصاياهم وأمثالهم، ومختارات الشعر الجاهلي والإسلامي والعباسي، وأخبار الخوارج وبلاغتهم، مشفوعةً بشرح لغوي رصين ونقد بلاغي بصير. في هذه القراءة الشاملة نستعرض سيرة المبرد، والفكرة المحورية للكتاب، وأبرز محاوره الأدبية واللغوية.
نبذة عن الكتاب والمؤلف
وُلد إمام النحو والأدب أبو العباس محمد بن يزيد الثمالي الأزدي، الشهير بالمبرد، في مدينة البصرة في العاشر من ذي الحجة عام 210هـ (826م) لأسرة عربية تنتمي إلى قبيلة الأزد. نشأ المبرد في البصرة إبان عصرها الذهبي في علوم اللسان العربي، فتتلمذ على كبار شيوخ المدرسة البصرية؛ فأخذ كتاب سيبويه وأصول النحو عن أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني، كما أخذ اللغة والشعر وأخبار العرب عن أبي حاتم السجستاني، والتوزي، والرياشي. وقد لُقّب بـ «المبرد» لحسن وجهه، وقيل لثباته وبراعته في الحجة والجواب حين سأله شيخه المازني عن مسألة دقيقة فأجاب عنها بإحكام فقال له: «قم فأنت المبرِّد» أي المثبت للحق.
وبعد وفاة شيخه المازني نحو عام 249هـ، آلت إلى المبرد رئاسة مدرسة البصرة النحوية، ثم انتقل إلى «سامراء» واستقر في العاصمة «بغداد». وهناك شهدت مجالس العلم مناظرات تاريخية شهيرة بين المبرد إمام البصريين وأبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بـ «ثعلب» إمام الكوفيين؛ فكان طلاب الأدب يقبلون على حلقة المبرد لما تميز به من فصاحة اللسان، وحضور البديهة، وحلاوة العبارة. أثمر نشاطه في بغداد عشرات المصنفات، في مقدمتها كتابه الأعظم «الكامل في اللغة والأدب»، وكتاب «المقتضب» في النحو، و«التعازي والمراثي»، و«الفاضل». وتوفي في بغداد في ذي الحجة عام 285هـ (898م) عن خمسة وسبعين عاماً، تاركاً تلاميذ كباراً مثل الزجاج، وابن السراج، والأخفش الأصغر.
الفكرة المحورية وعالم العمل
ينطلق كتاب «الكامل في اللغة والأدب» من غاية تربوية ومعرفية واضحة أعلنها المبرد في خطبة الكتاب؛ إذ أراد أن يجمع كتاباً يضم ضروباً شتى من الآداب ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة، على أن يفسر كل ما يقع في هذا الكتاب من كلام غريب أو معنى مستغلق، وأن يشرح ما يعرض فيه من الإعراب شرحاً شافياً، حتى يكون الكتاب قائماً بنفسه ومستغنياً به القارئ عن الرجوع إلى غيره.
وعلى هذا الأساس المنهجي، يتشكل عالم الكتاب في صورة «مجالس أدبية ولغوية حافلة» تسير على نهج التداعي الفني والاستطراد المنظم الذي يربط النظير بنظيره. يفتتح المبرد كتابه بأرفع كلام بعد كتاب الله عز وجل، فيورد طائفة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأدعيته وخطبه، ثم ينتقل إلى خطب الخلفاء الراشدين ووصاياهم كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ثم يفيض في عيون الشعر العربي وأخبار الخطباء والشعراء، محللاً كل نص من جهاته الثلاث: ضبط الألفاظ الغريبة، وإعراب التراكيب المشكلة على مذهب البصريين، وتذوق المعاني البلاغية.
أهم الأفكار والمحاور الرئيسية
الجمع بين النص الأدبي والتفسير اللغوي والنحوي
تتمثل القيمة الكبرى لكتاب «الكامل» في كونه جسراً منهجياً متيناً بين علوم العربية النظرية (النحو والصرف وفقه اللغة) وبين النصوص الإبداعية الحية (الشعر والخطابة والرسائل). فالمبرد لا يعرض القاعدة النحوية مجردةً في فراغ، بل يورد القصيدة المختارة أو الخطبة البليغة أولاً، ثم يقف عند كل بيت أو فقرة تحتاج إلى بيان؛ فيشرح غريبها وأصل اشتقاقها، ويعرب تراكيبها المشكلة مع الاستشهاد بأبيات أخرى تؤيد المعنى. بهذه الطريقة التطبيقية يكتسب القارئ ملكة الفهم الدقيق، ويتعلم كيف يقرأ النص التراثي قراءة واعية تدرك أسرار التراكيب.
تأسيس النقد البلاغي والموازنة بين الشعراء
يُعد كتاب «الكامل» من أهم المصادر المؤسسة للبلاغة العربية والنقد الأدبي التطبيقي في القرن الثالث الهجري. فقد عقد المبرد فصولاً ممتعة في أنواع «التشبيه» وأقسامه في كلام العرب؛ فقسم التشبيه إلى تشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى تفسير، مورداً الشواهد الشعرية لامرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وذي الرمة، ثم للشعراء المحدثين كأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري. كما مارس المبرد نقداً تطبيقياً نزيهاً يقوم على الموازنة الفنية بين الشعراء الذين تناولوا معنى واحداً، من دون تعصب للقديم لمجرد قدمه إذا أجاد الشاعر المحدث.
ديوان أخبار الخوارج وأدبهم السياسي والحربي
ينفرد الجزء الأخير من كتاب «الكامل» بميزة تاريخية وأدبية فذة؛ إذ خصص المبرد فصولاً مطولة لأخبار «الخوارج» وحروبهم ومناظراتهم مع الخلفاء وولاة بني أمية كالحجاج بن يوسف الثقفي والمهلب بن أبي صفرة. وقد حفظ لنا المبرد في هذه الفصول ديواناً كاملاً من خطب الخوارج وأشعارهم، مثل خطب قطري بن الفجاءة، وأخبار شبيب الخارجي، والأزارقة. وعلى الرغم من نقد المبرد الصريح لـ «غلو الخوارج» وتشددهم الديني وتفريقهم جماعة المسلمين، فإنه وقف بإعجاب فني ولغوي أمام فصاحتهم الفطرية النادرة، وصدق لهجتهم الشعرية، وبلاغتهم الخطابية التي لم يدخلها التصنع.
أدب الحكمة والوصايا والأمثال العربية السائرة
يحتل أدب الحكمة الأخلاقية والسياسية والأمثال العربية مساحة واسعة من صفحات الكتاب؛ إذ حرص المبرد على تتبع أصول الأمثال السائرة في كلام العرب وبيان القصص التاريخية التي قيلت فيها أول مرة، مثل أمثال لقمان، وأكثم بن صيفي، والأحنف بن قيس. كما أورد عيون الوصايا التربوية والسياسية، إلى جانب باب في أخبار الكرماء والأجواد، وباب في التعازي والمراثي الصادقة التي ترقق القلوب وتهذب النفوس.
الأسلوب الفني والسمات الأدبية
يتسم أسلوب أبي العباس المبرد في كتاب «الكامل» بالوضوح العلمي، والرصانة البصرية، وحسن الانتقال والتقسيم. فإذا كان أسلوب الجاحظ يميل إلى الاستطراد الواسع والجدل الكلامي، فإن أسلوب المبرد يميل إلى «إملاء الأستاذ العالم المتمكن» الذي يعرض النص المختار، ثم يفكك ألفاظه وتراكيبه بعبارة مشرقة خالية من التعقيد. ومع ذلك، لم يغفل المبرد حاجة القارئ إلى الترويح الذهني؛ فاتبع منهج التنقل بين الفنون، وختم فصوله الجادة بطرائف حسنة وأشعار قريبة المعنى ليستريح إليها القارئ. كما تميز بالتحري والتوثيق العلمي في الرواية؛ فهو يقارن بين الروايات المختلفة للبيت الواحد، ويرجح الرواية الأصح معنى والأقوم إعراباً، وينبه على أوهام الرواة.
أبرز الاقتباسات والمقولات
هذا كتابٌ ألفناه يجمع ضروباً من الآداب، ما بين كلام منثور وشعر مرصوف ومثل سائر وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة ورسالة بليغة؛ والنية فيه أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب وأن نشرح الإعراب شرحاً شافياً.
يمثل هذا الاستهلال من مقدمة «الكامل» الميثاق المنهجي الذي التزم به المبرد في كتابه كله، حيث جمع بين انتقاء الروائع الأدبية وبين الشرح اللغوي والنحوي المتكامل.
حقٌّ على من طلب الأدب أن يجعل غايته إصلاح لسانه وتهذيب طبعه، فإن القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة وفنون البلاغة، وانتقلوا بها من روضةٍ إلى روضة، فإن في تنقل الفكر بين جيد المنثور ومختار المنظوم استجماماً للذهن وتجديداً للنشاط.
يوضح هذا المقطع فلسفة المبرد التعليمية في تنويع مادة الكتاب ودفع السآمة عن القارئ عبر المزاوجة بين الخطب الجليلة والأشعار الرقيقة والأخبار التاريخية الطريفة.
واعلم أن للتشبيه حداً في كلام العرب، فالأشياء إنما تتشابه من وجوهٍ وتفترق من وجوه، وإنما ينظر الشاعر البليغ إلى الوجه الذي يجمع بين الشيئين فيوقع التشبيه عليه، فإذا أصاب عين المعنى وأوجز اللفظ حتى يسبق إلى الفهم قبل تمام الكلمة فذلك غاية الإحسان.
تضع هذه الفقرة من باب التشبيه في «الكامل» أساساً نقدياً رصيناً لتحليل الصورة الشعرية في البلاغة العربية، مبينةً سر الجمال في دقة التقاط وجه الشبه وإيجاز العبارة.
وليس لقدم العهد يفضل القائلُ، ولا لحداثة السن يُهتضم المصيبُ، ولكن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقه؛ فربّ شاعرٍ محدثٍ قد أتى بالمعنى البكر النادر في اللفظ الحر السهل، فكان أحقَّ بالاستحسان والرواية ممن تقدمه بالزمان وقصر عنه في البيان والإحكام.
تكشف هذه القاعدة النقدية عن إنصاف المبرد واستقلاله الذوقي؛ إذ رفض التعصب للشعر القديم لمجرد زمنه، وجعل المعيار الفني هو جودة المعنى وإحكام الصياغة.
سمعنا شيوخنا من أهل العلم بالأدب يقولون في مجالسهم: أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين؛ وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبعٌ لها وفروعٌ عنها.
تلخص هذه الشهادة الخالدة التي سجلها ابن خلدون في مقدمته المكانة الرفيعة التي تبوأها كتاب «الكامل» للمبرد عبر القرون بوصفه أحد الأركان الأربعة التي يقوم عليها صرح الأدب العربي.
كتب مشابهة نرشحها لك على إي كتاب
- مقدمة ابن خلدون – ابن خلدون: العمل التراثي الخالد الذي أرخ لعلوم اللسان العربي والنحو والبلاغة والأدب، ووثق مكانة كتاب «الكامل» للمبرد بين أركان الأدب الأربعة.
- الأجوبة المسكتة – ابراهيم بن عبد الله الحازمي: مصنف أدبي يجمع روائع سرعة البديهة والمناظرات البلاغية والطرائف اللغوية التي تحفل بمثلها مجالس كتاب «الكامل».
- الموشحات الأندلسية – محمد زكريا عناني: دراسة وافية في تاريخ الشعر العربي وتطور أوزانه وفنونه في الأندلس، تكمل رحلة القارئ في تذوق التراث الشعري العربي.
- مستقبل الثقافة في مصر – طه حسين: كتاب فكري وأدبي يناقش قضايا التعليم والثقافة وتدريس اللغة العربية وآدابها الكلاسيكية برؤية نقدية حديثة.
أسئلة شائعة حول كتاب الكامل في اللغة والأدب للمبرد
من هو مؤلف كتاب الكامل في اللغة والأدب وإلى أي مدرسة نحوية ينتمي؟
مؤلف الكتاب هو الإمام أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي المعروف بالمبرد (210–285هـ)، وهو إمام المدرسة البصرية في النحو واللغة والأدب في القرن الثالث الهجري، وصاحب المناظرات الشهيرة مع إمام الكوفيين أبي العباس ثعلب في بغداد.
ما أركان الأدب العربي الأربعة التي ذكرها ابن خلدون؟
ذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته نقلاً عن شيوخ اللغة والأدب أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة كتب هي: «الكامل» لأبي العباس المبرد، و«البيان والتبيين» للجاحظ، و«أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري، و«الأمالي» (النوادر) لأبي علي القالي.
بماذا يتميز منهج المبرد في كتاب الكامل عن كتب الأدب الأخرى؟
يتميز منهج المبرد بالجمع المتكامل بين رواية النصوص الأدبية الرفيعة (شعراً وخطابةً وأخباراً) وبين الشرح اللغوي الدقيق للغريب، والإعراب النحوي للتراكيب المشكلة، والتحليل البلاغي والنقدي للمعاني، حتى يستغني القارئ بالكتاب عن غيره.
لماذا اهتم المبرد برواية أخبار الخوارج وأشعارهم في كتاب الكامل؟
اهتم المبرد برواية خطب الخوارج وأشعارهم لما اتسموا به من فصاحة عربية خالصة، وبلاغة خطابية مؤثرة، وصدق في التعبير الشعري بعيداً عن التكلف والتكسب، مع تنبيه المبرد الدائم على خطأ مذهبهم السياسي وتشددهم الديني.
ما أشهر شروح كتاب الكامل للمبرد في العصر الحديث؟
من أشهر الشروح الحديثة لكتاب «الكامل» كتاب «رغبة الآمل من كتاب الكامل» للعلامة اللغوي الشيخ سيد بن علي المرصفي في ثمانية مجلدات، وقد درسه عليه طه حسين وجيل من أدباء النهضة في الأزهر الشريف، كما حققه العلامة محمد أبو الفضل إبراهيم.

