مجموع الأغاني والألحان من كلام الأندلس - إدمون يافيل

مجموع الأغاني والألحان من كلام الأندلس مصنف توثيقي جمع فيه الموسيقي والباحث الجزائري إدمون يافيل نصوص الموشحات والأزجال والقصائد الغنائية المتداولة في مدرسة الصنعة الأندلسية بالجزائر، ورتبها على أربع عشرة نوبة. صدر في الجزائر سنة 1904 م، ويُعدّ من أوائل الأعمال التي حفظت هذا التراث في مرحلة كان الإسناد فيها يعتمد على الذاكرة والتلقين أكثر مما يعتمد على التدوين.

نبذة عن العمل

يقع الكتاب في 410 صفحات، ويضم النصوص الشعرية التي كانت تُنشد في الجزائر ضمن مدرسة الصنعة، وقد رتبها يافيل على أربع عشرة نوبة أندلسية، منها نوبة الذيل والمجنبة والحسين والرمل وغريب والزيدان ورصد الذيل. ولكل نوبة نصها الشعري وإشارتها الإيقاعية، مع توثيق الانقلابات والأبيات التي تنتقل بينها.

واعتمد المؤلف على الرواية الشفوية وعلى دواوين ومخطوطات متداولة، فجاء الكتاب أشبه بأرشيف للنص المغنى، يحفظ الصيغة التي كان يؤديها المنشدون في مجالس الجزائر، ويقارنها بما ورد في المصادر المكتوبة. وهو بهذا يجمع بين جمع النص الأدبي وتوثيق سياقه الأدائي، وييسر على الباحث الرجوع إلى المادة في موضع واحد.

ويضم الكتاب إلى جانب النصوص إشارات إلى أسماء المنشدين وبعض العازفين، وإلى مواضع الأداء في المجالس، وهي تفاصيل لا توجد عادة في الدواوين الشعرية، وتكسب المصنف قيمة تاريخية إضافية.

نبذة عن المؤلف

إدمون ناثان يافيل موسيقي وباحث جزائري عاش بين سنة 1874 وسنة 1928 م، ونشأ في وسط عرف الموسيقى الأندلسية وأدواتها ومجالسها. جمع بين العمل الموسيقي والبحث التوثيقي، وأسهم في حفظ الريبرتوار الأندلسي بالجزائر في وقت كانت فيه الرواية الشفوية تتراجع.

ويتضح من كتابه أنه كان يعرف المصطلح الموسيقي معرفة عملية، إذ يفرق بين المقامات والإيقاعات والنوبات، ويصف موضع الانقلاب في النوبة وعلاقته بالبيت الشعري. وقد أفاد من صلته بأهل الصنعة ومن اطلاعه على ما وصل إليه المستشرقون من دراسات في الموسيقى العربية، فوفق بين الملاحظة الميدانية والتوثيق المكتوب.

سياق العمل

كانت الجزائر في مطلع القرن العشرين تعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، تراجعت فيها المؤسسات الثقافية المحلية أمام ضغط الإدارة الاستعمارية وانتشار التعليم الجديد. وفي هذا المناخ بدأ الباحثون والموسيقيون يجمعون ما تفرق من التراث قبل أن ينقطع إسناده.

وكانت مدرسة الصنعة في الجزائر امتداداً للمدرسة الأندلسية التي انتقلت إلى المغرب الأوسط بعد سقوط غرناطة، وحافظت على النوبة بوصفها قالباً جامعاً للنص واللحن والإيقاع. وقد وجد يافيل في هذه المدرسة مادة حية، فدوّنها في وقت كانت الموسيقى الأندلسية فيه تعتمد على الشفاهة في نقلها بين الأجيال.

الموضوعات والأفكار

يجمع الكتاب بين ثلاثة أشكال شعرية: الموشح والزجل والقصيدة. فالموشح يرد بأقفاله وأدواره، والزجل يجري على لغة أقرب إلى الكلام المتداول، والقصيدة تحتفظ بنظامها العمودي. وتتوزع هذه النصوص على أغراض الغزل والمدح والوصف والحكمة، وتتكرر فيها موضوعات الفراق والشوق والطبيعة.

ويُظهر الترتيب على النوبات أن النص الشعري لم يكن مستقلاً عن اللحن، بل كان جزءاً من بناء موسيقي أوسع. وقد أولى المؤلف عناية لـالموشحات وأقفالها، فشرح بنيتها ومواضع التغيير فيها، وهو ما يجعل الكتاب مرجعاً في دراسة الصلة بين الشعر والموسيقى في الأندلس والمغرب.

ويُلاحظ أن النصوص المختارة تتفاوت في درجة الفصاحة، بحسب ما جرى عليه التداول، فبعض الأزجال يقترب من الكلام اليومي، وبعض القصائد يحافظ على مستوى عال من الصياغة، وهذا التفاوت نفسه يصور طبقات الذائقة في المجتمع الجزائري في تلك المرحلة.

الأسلوب الفني

يغلب على الكتاب طابع التوثيق لا التأليف الأدبي، فالمؤلف يقدم المادة مصحوبة بوصف بنيتها وإشارات أدائها، ثم يترك لها مجالاً واسعاً في الصفحة. وقد استعمل لغة عربية واضحة، واستعان بالمصطلح الموسيقي المتداول في عصره، من غير إغراق في التعقيد النظري.

ويعتمد في عرض النوبة على تسلسل ثابت: يذكر اسمها، ثم يورد نصوصها، ثم يشير إلى انقلاباتها وأبياتها. وهذا الترتيب المتكرر يسهل المقارنة بين النوبات، ويكشف عن اختلافها في عدد القطع وطولها. ويحافظ النص على جرسه الشعري في أثناء النقل، ما يدل على عناية بنقل الرواية كما سمعها لا كما يعيد صياغتها.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من المراجع المبكرة في توثيق النوبة الجزائرية، وقد اعتمد عليه الباحثون في الموسيقى الأندلسية وفي دراسة الموشح والزجل المغربي. وأفادت منه الفرق الموسيقية في استعادة نصوص كان بعضها قد خرج من التداول.

وتأتي قيمته من كونه جمع بين النص واللحن في وقت واحد، فحفظ علاقة كانت مهددة بالانقطاع، وترك للدارسين مادة للمقارنة بين الروايات الشفوية والمكتوبة. ويظل موضع تقدير في تاريخ التوثيق الموسيقي بالجزائر، لأنه سبق حركة الجمع المنظم التي نشطت في العقود التالية.

ولا يزال الباحثون في الموسيقى المغاربية يرجعون إلى نصوصه عند المقارنة بين روايات النوبة في الجزائر وتونس والمغرب، لأنه يقدم تفصيلاً نادراً عن مواضع الانقلاب وأسماء القطع.

معلومات النشر

صدر الكتاب في الجزائر سنة 1904 م الموافقة 1322 هـ، في 410 صفحات، ويُعرف بنسخته الأصلية التي طُبعت في مطبعة جزائرية محلية. وقد صُوّرت منه نسخ رقمية متاحة للباحثين، ويعتمد عليها في هذه الصفحة.

ولم يُترجم الكتاب إلى لغات أوروبية ترجمة كاملة بحسب ما هو معروف، لكن الباحثين الأوروبيين في الموسيقى العربية أشاروا إليه في دراساتهم. ويبقى مصدراً أولياً لمن يدرس الصنعة الأندلسية بالجزائر، ولمن يتابع انتقال النوبة من الأندلس إلى المغرب الأوسط.

وقد أعادت بعض الفرق الموسيقية في الجزائر طبع مختارات من نصوصه في كتيبات صغيرة للاستعمال في الحفلات، وهو دليل على استمرار صلاحيته العملية بعد أكثر من قرن من صدوره.