رسالة روض المسرات في علم النغمات - عثمان محمد الجندي
رسالة روض المسرات في علم النغمات كتاب أدبي وموسيقي ألّفه الشيخ عثمان بن محمد الجندي، ونشره نجله محمود عثمان الجندي بالقاهرة في أغسطس سنة 1895 م. تقع في 118 صفحة، وتوثق أصول النغمات والمقامات العربية، وما كان يُنشد على كل مقام من موشحات وأدوار وقصائد فصيحة في الغزل العفيف والمدح والوصف، فتجمع بين الشرح النظري والنماذج الشعرية.
نبذة عن العمل
تنتظم الرسالة في أبواب تبدأ بتعريف النغمات والمقامات وترتيبها، ثم تنتقل إلى ما يُنشد على كل مقام من القطع الشعرية، فتورد الموشح والدور والقصيدة، وتذكر الوزن والغرض. ويعرض المؤلف المادة على نحو تعليمي، ييسر على القارئ معرفة المقام وما يصلح له من كلام.
وتكشف الصفحات عن صلة وثيقة بين الشعر والموسيقى في الذائقة المصرية في القرن التاسع عشر، إذ كان المنشد يختار النص بحسب المقام لا بحسب ديوان صاحبه. وقد حرص المؤلف على أن تكون النماذج فصيحة، فجمع بين المتعة الفنية والفائدة اللغوية، وأورد من القصائد ما يناسب مجالس السماع والمناسبات.
ويُلاحظ أن المؤلف يبدأ كل باب بتعريف موجز، ثم يتبعه بشواهد شعرية مرتبة، ويختم بملاحظات عن الأداء، على نحو يجعل الرسالة قريبة من كتيب عملي للمنشد لا من مصنف نظري مجرد.
نبذة عن المؤلف
عثمان بن محمد الجندي شاعر مصري من شعراء القرن التاسع عشر، عُرف بشاعر العائلة الخديوية في مصر، وتوفي قبل سنة 1895 م. وقد عاصر مرحلة كانت فيها القاهرة مركزاً للغناء والموسيقى، تلتقي فيها الألحان التركية بالمقامات العربية والأشكال الشعبية.
ويعكس كتابه ثقافة شاعر عملي يعرف ما يقوله المنشدون، ويستطيع أن يميز بين المقامات وأثرها في النص. ولم يقتصر نتاجه على الشعر، بل امتد إلى التأليف في أصول النغم، وهو ما يدل على سعة اطلاعه على صناعة الطرب في عصره. وقد تكفل نجله بنشر الرسالة بعد وفاته، فحفظها من الضياع.
سياق العمل
شهدت مصر في القرن التاسع عشر تحولاً في الحياة الموسيقية، مع ظهور المطابع والصحف واتساع المجالس الثقافية في القاهرة والإسكندرية. وكانت العائلة الخديوية ترعى الشعر والموسيقى، فاتصل الشعراء بها، ونشأت بيئة تلتقي فيها الفصحى بالغناء.
وفي هذا السياق ظهرت الحاجة إلى كتب تجمع بين أصول النغم والنصوص المغناة، بعد أن كانت هذه المعرفة تنتقل بالمشافهة. وقد جاءت رسالة الجندي استجابة لهذه الحاجة، ووثقت ما كان متداولاً في المجالس من المقام الموسيقي وما يناسبه من شعر، فصارت سجلاً لذائقة عصرها.
وقد ساعد على ذلك أن القاهرة كانت تستقبل في تلك الفترة فرقاً وموسيقيين من بلاد الشام وتركيا، فتلاقحت الأساليب، وظهرت حاجة إلى تصنيف المقامات وضبط أسمائها على نحو موحد يفهمه أهل الصنعة.
الموضوعات والأفكار
يتناول الكتاب النغمات من جهة بنائها وترتيبها، ثم يعرض لكل مقام ما يُنشد عليه من الموشح والدور والقصيدة. وتتوزع النماذج على أغراض الغزل العفيف والمدح والوصف، مع عناية باللغة الفصيحة وبسلامة الوزن.
ويظهر في الاختيار ميل إلى المعاني الرقيقة والصور الهادئة، لا إلى الفخامة اللفظية. كما يظهر حرص على أن يكون النص صالحاً للأداء، فيختار ما خفت وزنه وسهل إيقاعه. وبهذا تجتمع في الرسالة ثلاثة مستويات: المستوى النظري في التعريف بالمقامات، والمستوى الأدبي في النماذج، والمستوى العملي في إرشاد المنشد إلى ما يناسب مقامه.
ويشير المؤلف في مواضع إلى الفروق بين المقامات المتقاربة، وإلى ما يترتب على الانتقال من مقام إلى آخر من تغير في النبرة، وهي ملاحظات تدل على خبرة أدائية لا على اطلاع نظري فقط.
الأسلوب الفني
يقوم أسلوب الرسالة على الوضوح والترتيب، فالمؤلف يعرّف المصطلح ثم يمثل له، ويجعل الأمثلة تابعة للقاعدة لا سابقة لها. وهو لا يتوسع في الجدل النظري، بل يكتفي بما يخدم الغرض التعليمي.
وتحضر في النثر لغة سهلة قريبة من لغة الدرس، بينما تحتفظ النماذج الشعرية بفصاحتها ووزنها. ويلاحظ أن المؤلف يعنى بذكر الغرض من القصيدة وموضعها من المقام، فيربط بين الصورة والمقام، وهو ما يمنح الكتاب نفعاً مزدوجاً لدارس الموسيقى ودارس الشعر في وقت واحد.
مكانة العمل وتأثيره
تُعدّ الرسالة وثيقة مهمة لدراسة العلاقة بين الشعر والموسيقى في مصر القرن التاسع عشر، لأنها تجمع بين تنظير المقامات ونماذجها المغناة في كتاب واحد.
وقد أفاد منها الباحثون في تاريخ الغناء العربي وفي دراسة الموشح، كما تقدم مادة للمقارنة بين ما كان يُنشد في مصر وما كان يُنشد في الشام والمغرب. ويبقى أثرها محدوداً في الانتشار مقارنة بالمصنفات الموسيقية الكبرى، لكن قيمتها الوثائقية في وصف الذائقة الأدائية في عصرها لا تُنكر.
وقد انتقل أثرها إلى بعض من كتب في الغناء العربي بعدها، ممن نقلوا عنها نماذج أو أشاروا إليها في حديثهم عن المقامات، وهو ما يدل على أنها وجدت طريقها إلى الدارسين رغم قلة نسخها.
معلومات النشر
نُشرت الرسالة بالقاهرة في أغسطس سنة 1895 م الموافقة 1313 هـ، على نفقة ناشرها محمود عثمان الجندي، وبلغت 118 صفحة. وهي الطبعة الأصلية المعتمدة في هذه الصفحة، وقد صُوّرت منها نسخة رقمية متاحة للباحثين.
ولم يُعرف للرسالة عنوان آخر أو طبعة منقحة، وتظل نسختها الأولى المصدر الأساس لدراستها. ويجد فيها القارئ اليوم نماذج من الشعر المغنى في القرن التاسع عشر، ووصفاً للمقامات كما كانت تُفهم في مجالس ذلك العصر.
ولا تتوافر عنها طبعة علمية محققة مقارنة بالنسخ، ولا ترجمة إلى لغات أخرى، ويبقى الاعتماد على الأصل المطبوع هو الطريق الأقرب لدراستها، مع الرجوع إلى ما كتبه الباحثون في تاريخ الموسيقى المصرية.
