شعر السيد الحاج عبد القادر بن محيي الدين - عبد القادر الجزائري
شعر السيد الحاج عبد القادر بن محيي الدين مطبوعة تاريخية مبكرة ونادرة صدرت سنة 1848 م عن مكتبة هاشيت في باريس والجزائر، وتقع في 103 صفحات. تضم مختارات من قصائد الأمير عبد القادر الجزائري، إلى جانب وثيقة التنظيم العسكري التي وضعها لجيشه، فتجمع بين الشعر والوثيقة في كتاب واحد يعكس روح الفروسية العربية والحنين إلى البادية والزهد. ويجمع الكتاب بذلك بين دلالتين: دلالة شعرية تخص صاحبه، ودلالة وثائقية تخص الدولة التي بناها في الجزائر.
نبذة عن العمل
يضم الكتاب مختارات من قصائد الأمير عبد القادر في أغراض متعددة، يتصدرها الفخر بالقوم والذات، ثم الحنين إلى البادية ومواضع الصبا، والزهد والموعظة، والوصف. وتتسم النصوص بمتانة السبك وجزالة اللفظ، وسيرها على نهج فحول الشعراء المتقدمين في بناء القصيدة ومقدماتها.
ويشفع الكتاب هذه المختارات بوثيقة تنظيمية وضعها الأمير لجيشه، تعرف بالحكم الشرعي للعسكر المحمدي، وتتضمن قواعد الانتظام والطاعة وتوزيع المهام. ووجود هذه الوثيقة إلى جانب الشعر يمنح الكتاب طابعاً مزدوجاً: ديوان شاعر، ودفتر قائد، وهو ما يجعله وثيقة على تجربة دولة ومقاومة في الوقت نفسه. وتتبين في اختيارات النصوص عناية بغرض الفخر، ما يوحي بأن الجامع أراد تقديم الأمير في صورة الفارس لا في صورة الزاهد وحده.
نبذة عن المؤلف
الأمير عبد القادر الجزائري ولد سنة 1808 م وتوفي سنة 1883 م، وهو فقيه ومتصوف وقائد عسكري وشاعر، قاد مقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر سنوات طويلة، ثم أسر ونفي، واستقر بعد ذلك في دمشق حيث توفي ودفن.
وقد جمع في شخصه بين العلم والسلاح والشعر، وكانت له مجالس علم وأدب، وله مؤلفات في التصوف والفقه. ويعكس شعره هذه الشخصية المركبة: فخر الفارس، وورع العابد، وحنين المهاجر إلى وطنه وبدوه، في لغة تحفظ للقصيدة العربية هيبتها القديمة. وقد عرف عنه العلم الغزير والخطابة والحوار مع العلماء والرحالة الأوروبيين في دمشق.
سياق العمل
صدر الكتاب سنة 1848 م، أي في الفترة التي كان فيها الأمير أسيراً في فرنسا بعد استسلامه سنة 1847 م، وهي فترة أثارت اهتمام الرأي العام الأوروبي بشخصه. وقد طبع الكتاب في باريس والجزائر معاً، ما يدل على حضور اسمه في السوق الثقافية الفرنسية في ذلك الحين. وقد رافق هذا الاهتمام نشر ترجمات ومقالات عن سيرته، فصار شخصية معروفة في الصحافة الأوروبية.
ويعكس الكتاب بهذا المعنى صورة الأمير كما رسمها الآخرون له في مرحلة الأسر: قائد مهزوم في الميدان، لكنه حاضر في الوجدان بوصفه رمزاً للمقاومة والعدل. ويُقرأ شعره في هذا السياق بوصفه تعبيراً عن تجربة فقدان الوطن، لا بوصفه نتاجاً أدبياً معزولاً عن سيرته السياسية والعسكرية.
الموضوعات والأفكار
تتوزع موضوعات الكتاب على الفخر والحنين والزهد والحكمة والوصف. ويحضر في قصائده الاعتزاز بالأصل والنسب والرجولة، والوفاء للعهد، والصبر على الشدائد، وهي قيم فارسية قبلية تلتقي مع قيم دينية في تمجيد العدل والصدق والتوكل. وتتكرر في شعره الدعوة إلى اجتماع الكلمة ونبذ الفرقة، وهي دعوة نابعة من تجربة قيادة أمة في حال حرب.
ويظهر الحنين إلى البادية والرياض والمواضع التي نشأ فيها، في صورة موجعة تتكرر في قصائد الغربة. ويضاف إلى ذلك شعر الموعظة الذي يدعو إلى الزهد في الدنيا والتأمل في مصير الأمم، فينزع الشاعر إلى قراءة تجربته الخاصة في ضوء السنن العامة التي تحكم صعود الأمم وسقوطها.
الأسلوب الفني
يجري شعر الأمير على الأوزان الخليلية المعروفة، ويحرص على القافية الموحدة والبناء التقليدي للقصيدة: مطلع، ثم انتقال إلى الغرض. وتتسم ألفاظه بالفخامة والجزالة، مع قلة الاعتماد على الصور الغريبة، فيغلب على النص طابع الصدق والتقرير أكثر من التزويق. ويقل فيه الاهتمام بالغزل والنسيب، فيتصدر الفخر والحكمة معظم القصائد.
وتأتي الصور من بيئة البادية والصحراء: الناقة، والرمح، والسيف، والسراب، والخيمة، فتضفي على القصائد لوناً محلياً واضحاً. ويستعمل الشاعر الحكمة والمثل في ختام قصائده، ويوظف أسماء المواضع والقبائل داخل الوزن، وهي سمة تحفظ للقصيدة وظيفتها التوثيقية.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب من أوائل المطبوعات التي عرفت شعر الأمير عبد القادر في أوروبا، وقد أسهم في تكوين صورته الأدبية خارج الجزائر. وقد اعتمد عليه الباحثون في دراسة شخصيته وسيرته، وفي التعرف على وثيقة تنظيمه العسكري التي تعد مصدراً مهماً لتاريخ المقاومة.
ويأخذ شعره موقعاً في تاريخ الشعر العربي الحديث بوصفه امتداداً للقصيدة التقليدية في بيئة مغاربية، لا بوصفه تجديداً في الشكل. ويظل ديوانه مقروءاً بوصفه شهادة على قائد شاعر، أكثر من كونه مدرسة فنية مستقلة. وقد طبع شعره مرات بعد ذلك في دواوين جامعة، لكن هذه الطبعة تحفظ صورته الأولى.
معلومات النشر
صدر الكتاب عن مكتبة هاشيت في باريس والجزائر سنة 1848 م الموافقة 1264 هـ، في 103 صفحات. وهو من المطبوعات المبكرة التي جمعت بين نص شعري عربي ووثيقة إدارية عسكرية، وطبعت في بلدين في وقت واحد.
ويعرف الكتاب اليوم بوصفه نسخة نادرة، لأن نسخه الأولى توزعت بين المكتبات الأوروبية والجزائرية، ولأن مادته لم تجمع بعد في طبعة علمية محققة تجمع شعره كاملاً. ويظل الأصل المطبوع مرجعاً لمن يدرس النص في صورته الأولى، بما فيه من اختلافات ضبط وترقيم. وتختلف نسخه في جودة الورق وحالة الطباعة، وهو ما يعرفه جامعو المطبوعات العربية القديمة.
