مسامرة الأقلام في محاورة مصر والشام - محيي الدين سعيد الحسيني البغدادي
رسالة أدبية تجري على هيئة محاورة بين مصر وبلاد الشام، تتبادل فيها البلدان الحديث عن فضائلها وتاريخها وآثارها، وتنتهي إلى توكيد الأخوة الثقافية بينهما. كتبها محيي الدين سعيد الحسيني البغدادي، وطُبعت سنة 1896 م في أربعين صفحة، فجمعت بين النظم والنثر المسجوع في فن المناظرة الأدبية، ويُقرأ النص اليوم بوصفه نموذجاً للأدب التعليمي الذي ازدهر مع الصحافة.
نبذة عن العمل
مسامرة الأقلام في محاورة مصر والشام رسالة قصيرة تقوم على فن المناظرة الأدبية، وهو فن يجعل الموضوعات والأماكن شخصيات تتحدث وتتحاور. وقد اختار المؤلف أن تكون مصر وبلاد الشام طرفي المحاورة، فجعل كل واحدة منهما تتحدث بلسانها وتُعدد مآثرها.
وتسير الرسالة على نمطين من الكلام: أبيات شعرية تُنسب إلى المحاورين، ونثر مسجوع يحمل الحجة والوصف. ويظهر في تضاعيف النص حرص المؤلف على أن تكون المحاورة متوازنة، فلا يُغلب طرف على آخر، بل يجعل الغلبة للأخوة الجامعة بين الإقليمين في نهاية المطاف. ويُعرض في ثنايا الحوار ذكر المدن والمشاهد الطبيعية، فيتحول الوصف إلى مادة جغرافية مبسطة تصلح للقارئ غير المتخصص.
نبذة عن المؤلف
محيي الدين سعيد الحسيني البغدادي أديب ومعلم للغة العربية من أعلام أواخر القرن التاسع عشر، عمل في تدريس العربية بالمدارس الأهلية، واشتغل بتأليف الرسائل الأدبية والمناظرات التي تصلح للقراءة والتعليم. وتشير نسبتاه البغدادية والحسينية إلى أصله العراقي، وإلى انتسابه إلى بيت عُرف بالعلم والأدب. ولا تُعرف له مصنفات كثيرة غير هذه الرسالة في حدود ما وصل إلينا.
وعاش المؤلف في زمن نهضة صحفية وتعليمية شهدت إقبالاً على الطباعة والنشر، وتوسعاً في إنشاء المدارس. ويُفهم من رسالته أنه كان يعنى باللغة السليمة وبالمحافظة على أساليب الأدب القديم في صياغة موضوعات معاصرة، وأنه كان يكتب لقارئ متوسط يطلب الفائدة والمتعة معاً. وتدل لغته على صلة بمدرسة البيان القديم، مع حرص على الوضوح في العبارة والقرب من أذن الطالب.
سياق العمل
ظهرت الرسالة في نهاية القرن التاسع عشر، وهو عصر شهدت فيه مصر وبلاد الشام تحولات في التعليم والصحافة والنقل، واتساعاً في التواصل بين المشرق ومصر. وقد أسهمت السكك الحديدية والبريد والصحف في تقريب المسافات الثقافية بين الإقليمين، وفي تبادل الكتب والأخبار. وكانت الإسكندرية وبيروت والقاهرة محطات لهذا التواصل، تستقبل الصحف والمجلات وتعيد طبعها.
وفي هذا السياق انتعش فن المناظرة في الصحف والمجالس الأدبية، إذ استُخدم لإثارة القضايا وتنشيط القراءة. وتنتمي هذه الرسالة إلى ذلك التقليد، لكنها تنقله من الخصومة إلى المصالحة، فتتخذ من المحاورة وسيلة للتعريف بفضائل البلدين لا للمفاضلة بينهما ولا لإثارة النعرات.
الموضوعات والأفكار
يدور المحور الأول على فضائل مصر: موقعها على النيل، وخصوبة أرضها، وآثارها القديمة، وحركة العلم فيها. ويتناول المحور الثاني بلاد الشام: موقعها بين البحر والبر، وتاريخها، ومدنها، وأثرها في اللغة والأدب والتجارة، وفي حفظ التراث العربي على مر القرون. ويُدخل المحاور في وصفه ملامح من الحياة اليومية: الأسواق والمساجد والمدارس وأخلاق الناس.
ثم تنتقل المحاورة إلى موضوع الروابط بين الإقليمين: وحدة اللغة والدين، وتبادل العلماء والتجار، والمصلحة المشتركة في النهوض. وتُختم الرسالة بدعوة إلى التعاون ونبذ التنازع، في تحويل المناظرة من مبارزة كلامية إلى إقرار بالتكامل، وإلى تذكير القارئ بأن ما يجمع البلدين أكبر مما يفرقهما. ويُلمس في الحوار حرص على تجنب التعصب الإقليمي، وعلى تقديم الفضل حيث وُجد.
الأسلوب الفني
يجمع النص بين الشعر والنثر المسجوع، فيتناوب فيه الوزن والقافية مع الفواصل النثرية، ويُعتمد على المحسنات البديعية من جناس وسجع وطباق. وهذا الازدواج يمنح الرسالة إيقاعاً محافظاً يشبه أساليب المقامات والرسائل القديمة، ويجعل قراءتها أقرب إلى الاستماع. غير أن السجع يظل معتدلاً، فلا يطغى على المعنى ولا يعوق الفهم.
ويظهر في الحوار اعتماد على التلميح التاريخي والجغرافي، مع ميل إلى الإيجاز وعدم الإطالة، لأن الغرض تعليمي في المقام الأول. وتُستخدم أدوات النداء والاستفهام لتقريب المحاورة من مجلس حقيقي، فيشعر القارئ أنه يستمع إلى طرفين لا يقرأ رسالة مدوّنة.
مكانة العمل وتأثيره
تُعدّ الرسالة شاهداً على فن المناظرة الأدبية في العصر الحديث المبكر، وعلى توظيفه في التقريب بين الأقاليم العربية. ويستفيد منها الباحث في تاريخ الصحافة والتعليم لأنه يجد فيها نموذجاً للنصوص التي كُتبت للطلاب والقراء العامين، وللنصوص التي جمعت بين الإخبار والتسلية. ويُذكر أن مثل هذه الرسائل كانت تُقرأ في المدارس وفي مجالس الأدباء على السواء.
ومكانتها محدودة في تاريخ الأدب الرفيع، لكنها مهمة في تاريخ الثقافة التعليمية، إذ تكشف عن ذوق قراء أواخر القرن التاسع عشر، وعن الطريقة التي عُرضت بها الجغرافيا والتاريخ في قالب أدبي. وتُذكر في الدراسات التي تعنى بالأدب العربي الحديث بوصفها من نماذج المناظرة الاجتماعية.
معلومات النشر
طُبعت الرسالة سنة 1896 م، الموافقة سنة 1314 هـ، وتقع في أربعين صفحة، وهي طبعة صغيرة الحجم تناسب غرضها التعليمي. ولم يُشع منها إلا نص واحد معروف، ما يجعل نسختها المطبوعة مصدراً أساسياً لدراستها وللتعريف بمؤلفها. وقد صدرت في حجم صغير يناسب النصوص القصيرة التي تُقرأ في مجلس واحد.
ولا يُعرف للرسالة إلا هذه الطبعة في حدود ما وصل إلينا من الفهارس، وقد حُفظت في مجموعات الكتب العربية القديمة. ويعتمد الباحثون عليها في رسم صورة الأدب التعليمي في أواخر القرن التاسع عشر، وفي متابعة انتقال فنون أدبية قديمة إلى الصحافة والمدارس. ويُلاحظ أن عنوانها يجمع بين «المسامرة» و«المحاورة»، وهما لفظان يدلان على طبيعة النص الحوارية.
