الأحكام المرعية في شأن الأراضي المصرية - يعقوب أرتين

«الأحكام المرعية في شأن الأراضي المصرية» كتاب قانوني وضعه يعقوب أرتين باشا، وعرّبه إلى العربية سعيد عمون بمساعدة المؤلف، وطُبع سنة 1306هـ الموافقة 1889م بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق. ويعرض الكتاب القواعد التي تحكم الأراضي في مصر: أنواعها، وأحكام ملكيتها، والتصرف فيها، وما يتصل بها من ضرائب ورسوم. ويأتي في وقت كانت فيه الدولة تعيد تنظيم العلاقة بين المالك والدولة والأرض، فكانت الحاجة ماسة إلى مرجع عربي يجمع النصوص النافذة ويشرحها لرجال الإدارة والقضاء والملاك. ويتضح من عنوانه أنه كان موجهاً إلى العاملين في الحقل العقاري من موظفين وملاك ومحامين، لا إلى القراء عامة.

نبذة عن العمل

يقصد الكتاب إلى جمع الأحكام المتعلقة بالأراضي وتصنيفها في صيغة منظمة، فتذكر أنواع الأراضي في مصر وما يترتب على كل نوع من حقوق والتزامات، ثم تعرض القواعد التي تحكم انتقال الملك والتصرف فيه، وما يعترض ذلك من قيود تفرضها المصلحة العامة. ويتصل بهذا الباب ما يتعلق بتسجيل الحقوق وضبط الحدود والمساحات، إذ كانت الدولة تشتغل في تلك المرحلة على تقنين الأراضي وتحديد أملاكها. وكانت هذه المسائل موضع نزاع متكرر بين الملاك والجهات الإدارية، فاحتاجت إلى بيان واضح يحدد الحقوق والواجبات.

ويتناول الكتاب الضرائب والرسوم التي تفرض على الأراضي، وطريقة تقديرها وجبايتها، وما يترتب على تأخرها من إجراءات. ويضم في ثناياه إشارات إلى الجهات الإدارية المختصة بالنظر في هذه المسائل، وإلى الطرق التي يسلكها أصحاب الحقوق في المطالبة به. ويظهر من هذا الترتيب أن الكتاب لم يكن تأليفاً نظرياً في القانون، بل دليلاً عملياً لرجال الإدارة والمحامين وأصحاب الأملاك.

نبذة عن المؤلف

يعقوب أرتين باشا من رجال الإدارة والقانون في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتذكر صفحة العنوان أنه كان وكيلاً لنظارة المعارف، وأنه عضو في مجلس إدارة السكة الحديدية. وتشير هذه المناصب إلى اشتغاله بالشؤون العامة وبالملفات الإدارية الكبرى، وإلى اتصاله بالدوائر التي كانت تصوغ التنظيمات الخاصة بالأراضي والممتلكات العامة. ولا تثبت في البيانات المتاحة سنة وفاته ولا تفاصيل نشأته وتعليمه، ويبقى كتابه أهم ما يُعرف به بين الباحثين. وقد جمع بين العمل الإداري والاشتغال بالتنظيم القانوني، وهو ما يفسر عنايته بالتفاصيل العملية.

سياق العمل

صدر الكتاب في مرحلة عرفت فيها مصر حركة تشريعية نشطة، رافقت توسع الدولة في الزراعة والري والنقل، وإنشاء المحاكم المختلطة، ومساعي تقنين الملكية وتحديد الأملاك. وكانت النصوص القانونية تصدر بلغات أوروبية أو بصيغ فنية صعبة، فاحتاجت الإدارة إلى تعريبها وتيسيرها لمن يتعامل بها من الموظفين والملاك. ويأتي هذا الكتاب في هذا السياق بوصفه جهداً في التعريب القانوني، يضع المصطلح العربي في مقابل المصطلح الأجنبي، ويسهم في تكوين لغة قانونية عربية قابلة للاستعمال في الدواوين، وكان هذا الجهد جزءاً من حركة النهضة العربية التي شملت التعليم والصحافة والتشريع. وظهرت في تلك السنوات مصطلحات عربية جديدة في العقود والمساحات والضرائب، احتاجت إلى ضبط.

الموضوعات والأفكار

تتوزع مادة الكتاب على مسائل الملكية والحيازة، وأنواع الأراضي ووجوه الانتفاع بها، وأحكام الوقف وما يتصل به من قيود، ومسائل الإجارة والرهن والانتقال، وما يعرض من نزاعات على الحدود والحقوق. ويعرض المؤلف لكل مسألة القاعدة العامة ثم ما يرد عليها من استثناءات، ويشير إلى النصوص التي تستند إليها، فيتكون لدى القارئ صورة عن النظام العقاري في مصر.

ويلاحظ في الكتاب اهتمام بالجانب العملي، إذ يذكر الإجراءات التي تتبعها الجهات الإدارية في تسجيل الأرض وتقدير الضريبة، ويبين ما يلزم المالك من مستندات ومواعيد. ويعين هذا التفصيل الباحث في فهم كيفية عمل الإدارة المصرية في ذلك العصر، وفي متابعة العلاقة بين القانون المكتوب والتطبيق اليومي في الأرياف والمدن.

الأسلوب الفني

يجري الكتاب في أسلوب قانوني مصوغ بعناية، يعتمد التعريفات الدقيقة والترتيب المنطقي للمسائل، ويستعمل ألفاظاً فنية ثابتة الدلالة، مثل الملك والحيازة والانتفاع والوقف والرسوم. ويأتي التعريب حريصاً على نقل المعنى القانوني لا مجرد اللفظ، فيضع العبارة العربية في مقابل المصطلح الأجنبي، ويضيف عند الحاجة شرحاً يوضح المقصود. وتخلو الصياغة من البلاغة والزخرفة، لأن غايتها إفهام القارئ حكماً يستعمله في عمل إداري أو دعوى قضائية، ويقترب تنظيمه من كتب القانون المدني التي تعتمد التبويب والتعريف. ويستعمل الكتاب الإحالات الداخلية في مواضع المقارنة، وهي أداة تنظيمية كانت شائعة في الكتب القانونية.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب مصدراً من مصادر تاريخ القانون المصري الحديث، إذ يحفظ صورة عن التنظيم العقاري في نهاية القرن التاسع عشر، ويكشف عن المصطلحات التي استقرت في اللغة القانونية العربية. ويرجع إليه الباحثون في تاريخ الملكية الزراعية والضرائب، وفي دراسة أثر التشريع على الأرياف المصرية. ويُستدعى أيضاً في بحوث التعريب القانوني، لأنه يمثل مرحلة من مراحل نقل القانون الأوروبي إلى العربية، حين كانت المصطلحات تُصاغ صياغة أولى قبل أن تستقر في القوانين اللاحقة.

معلومات النشر

طُبع الكتاب طبعته الأولى سنة 1306هـ الموافقة 1889م بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، وبلغ 270 صفحة. ويذكر العنوان أن تعريبه جرى بقلم سعيد عمون بمساعدة المؤلف، وهي إشارة إلى أن النص العربي صيغ بمشاركة صاحبه الأصلي، ما يزيد الثقة بدقة المصطلح. وتشير نسبة الكتاب إلى المطبعة الأميرية إلى أنه صدر برعاية رسمية، وأنه كان موجهاً إلى دوائر الدولة قبل غيره من القراء.

ولا تُعرف للكتاب ترجمة إلى لغات أخرى ولا طبعة حديثة محققة بحسب ما هو متاح، فيبقى الأصل المطبوع هو المعتمد. ويفيد منه دارس التاريخ القانوني والاقتصادي لمصر، والباحث في تاريخ الإدارة والأراضي، ويصلح مادة لمقارنة المصطلح القانوني العربي في مراحله الأولى بما استقر عليه في القوانين المعاصرة.