أحسن النخب في معرفة لسان العرب - محمد عياد الطنطاوي

«أحسن النخب في معرفة لسان العرب» كتاب لغوي وضعه محمد عياد الطنطاوي، وطُبع في مدينة لايبزيغ سنة 1264هـ الموافقة 1848م. ويشير عنوانه إلى أنه اختيارات منتقاة من مادة اللغة العربية، أراد المؤلف بها أن يقرب إلى المتعلم أهم ما يحتاج إليه في معرفة ألفاظ العرب ووجوه استعمالها، من دون أن يضطر إلى مراجعة المعاجم الكبيرة. ويأتي الكتاب في سياق تعليم العربية لغير الناطقين بها، إذ كان مؤلفه من معلميها في المدارس الشرقية في روسيا، فصاغ مادته صياغة تعليمية تجمع بين الشرح والتيسير. ويبدو أنه ألفه لطلابه في بطرسبورغ، ثم طُبع في ألمانيا ليتداوله الدارسون في أوروبا.

نبذة عن العمل

يقوم الكتاب على اختيار مادة لغوية من متون العرب، فيعرض الألفاظ ومعانيها وشواهدها في صيغة مختصرة، ويجنب القارئ التطويل الذي يلقاه في المعاجم الموسعة. ويبدو فيه ترتيب المادة ترتيباً يخدم التعلم، فتجتمع الكلمات المتقاربة في المعنى، وتذكر الشواهد لتثبيت الاستعمال، ويضاف الشرح حيث يلتبس اللفظ. ولا يقصد المؤلف إلى الاستقصاء، بل إلى الانتقاء، وهو ما يفسر عنوان الكتاب وما يوحي به من معنى النخبة والاختيار.

ويتصل الكتاب بتقليد عربي قديم في صناعة المختصرات والمنتخبات، حيث كان العلماء يجمعون لطلابهم ما يرونه أنفع من مطولات اللغة، ويشرحون غريبها. ويحفظ هذا العمل صورة من طرق التعليم اللغوي في القرن التاسع عشر، حيث كانت الحاجة إلى نصوص مختصرة ميسورة أقوى من الحاجة إلى المصنفات الجامعة، خصوصاً عند الطلاب الأجانب الذين يتعلمون العربية لأغراض الدراسة والترجمة.

نبذة عن المؤلف

محمد عياد الطنطاوي عالم بالعربية، عمل معلماً للعربية في مدرسة الألسن الشرقية، وفي المدرسة الكبيرة الإمبراطورية في مدينة بطرسبورغ، على ما تذكره صفحة عنوان كتابه. وتشير هذه المناصب إلى أنه كان من الأعلام الذين أسهموا في تعليم العربية خارج بلادها، وفي تكوين جيل من الدارسين الأوروبيين الذين اشتغلوا باللغة والنصوص. وقد صدر كتابه في ألمانيا، وهو ما يلائم عمله في أوساط تعليمية أوروبية كانت تطلب مراجع عربية مطبوعة في مدن أوروبا.

ولا تثبت في البيانات المتاحة سنة وفاته ولا تفاصيل نشأته وتعليمه، ويقتصر ما يُعرف عنه على مناصبه التعليمية وعلى كتابه هذا. ويظهر من مادته أنه كان واسع الاطلاع على المعاجم وكتب اللغة، وأنه عرف حاجات المتعلم الأجنبي فاختار له ما يجمع بين صحة النقل وسهولة العرض.

سياق العمل

صدر الكتاب في مرحلة عرفت فيها أوروبا اهتماماً متزايداً بدراسة العربية، بعد توسع الدراسات الشرقية في الجامعات، وتأسيس كراسي للعربية في بطرسبورغ، وباريس، ولايبزيغ، وغيرها. وكانت المطابع الأوروبية تطبع النصوص العربية والمعاجم المدرسية لخدمة هذا الاهتمام، فوجد المعلمون حاجة إلى كتب مختصرة تجمع المادة اللغوية في صيغة مناسبة للطلاب. ويأتي كتاب الطنطاوي في هذا السياق، بوصفه نتاج خبرة تدريسية طويلة، ووثيقة على صلة العلماء العرب بحركة الدراسات الشرقية في القرن التاسع عشر. وكانت هذه المطابع تعتمد على نسخ خطية نقلت من مكتبات المشرق، فحفظت نصوصاً كان بعضها مهدداً بالضياع.

الموضوعات والأفكار

يتناول الكتاب ألفاظ العربية ومعانيها، ويعرض الشواهد التي تثبت الاستعمال، ويتوقف عند الفروق بين الكلمات المتقاربة، ويشرح ما يلتبس على المتعلم من الألفاظ الغريبة. ويضم مادة في الاشتقاق والتصريف بمقدار ما يحتاج إليه قارئ النصوص، ويستعمل الأمثلة والشواهد لتوضيح القاعدة بدل الاقتصار على التعريف المجرد.

ويعنى المؤلف بالجانب التطبيقي من معرفة اللغة، فيقرب معاني المفردات إلى فهم الطالب، ويبين كيف تستعمل الكلمة في سياقها، ويعرض ما ورد في كلام العرب من استعمالات. ويحمل هذا الاختيار دلالة على أن غاية الكتاب تعليمية في المقام الأول، لا جمع كل ما قيل في اللغة، وهو ما يجعله أقرب إلى كتاب مدرسي منه إلى معجم شامل.

الأسلوب الفني

يستخدم الكتاب أسلوباً تعليمياً واضحاً، يقوم على العرض الموجز والشرح المباشر، ويبتعد عن الجدل والاستطراد. ويأتي ترتيب المادة في أبواب وفصول تخدم التدرج في التعلم، ويستعين المؤلف بالشواهد والأمثلة، ويحرص على ضبط الألفاظ وبيان معانيها. ويبدو في الصياغة أثر البيئة التعليمية التي كتب فيها المؤلف، إذ يخاطب قارئاً غير عربي في أغلب الظن، فيحتاج إلى التبسيط، وإلى الإيضاح أكثر من حاجة القارئ العربي. ويستعمل الحركات عند اللبس، لأن قارئه غير الناطق بالعربية يحتاج إلى بيان النطق.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب وثيقة على جهود تعليم العربية في روسيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، ويفيد الباحث في تاريخ الدراسات العربية وفي معرفة الكتب التي كانت تُدرس للطلاب الأجانب. ويحفظ أيضاً صورة من اختيارات العلماء العرب لمادة لغتهم حين يوجهونها إلى متعلمين جدد، ويظهر كيف كانوا يوازنون بين الأصالة والتبسيط. ويستدعيه دارس النحو العربي في تتبع طرق تعليم اللغة، كما يفيد في دراسة انتقال النصوص العربية إلى المطابع الأوروبية. ويذكر في الفهارس بعنوانه وبيانات طبعته الألمانية، وهي بيانات تعين على تمييزه عن غيره من المختصرات.

معلومات النشر

طُبع الكتاب في مدينة لايبزيغ سنة 1264هـ الموافقة 1848م، في مطبعة ولهلم فوغل، ولا تثبت في البيانات المتاحة تفاصيل عدد الصفحات. ويشير مكان الطبع إلى أن الكتاب وُجه إلى سوق علمي أوروبي، وأن مؤلفه اعتمد على مطبعة أجنبية في نشر عمله، وهي حال شائعة في تلك المرحلة لمن يكتب في أوساط تعليمية خارج بلاد العرب.

ولا تُعرف للكتاب طبعة حديثة محققة ولا ترجمة إلى لغات أخرى بحسب ما هو متاح، فيبقى الأصل المطبوع هو المرجع. ويفيد منه الباحث في تاريخ اللغة العربية وتعليمها، وفي دراسة العلاقات العلمية بين علماء العرب والمؤسسات الأوروبية، ويصلح مادة لتوثيق المصطلحات والاختيارات اللغوية في منتصف القرن التاسع عشر.