التحفة الزهية في اللغات الشرقية - ناصيف المعلوف

التحفة الزهية في اللغات الشرقية كتاب في تعليم اللغتين الفارسية والتركية، نقله إلى العربية ناصيف المعلوف من رسالة فارسية تركية وضعها كمال أفندي. طُبع في إزمير سنة 1853، ويقع في 107 صفحات، فيجمع بين قواعد اللغتين ومفرداتهما في كتاب واحد، ويقصد إلى تمكين الناطق بالعربية من قراءة الفارسية والتركية وفهم مخاطباتهما. ويقف القارئ فيه على طريقة من طرائق تعليم اللغات في ذلك العصر، حين كان التعليم يقوم على المقابلة بين اللغات.

نبذة عن العمل

الكتاب عمل تعليمي في اللغات الشرقية، يعرض قواعد الفارسية والتركية ويشرحها بالعربية، ويورد المفردات والجمل التي يحتاج إليها المبتدئ. ويبدأ بتعريف الحروف وأحكامها، ثم ينتقل إلى الأسماء والأفعال ووجوه استعمالها، ثم يعرض أمثلة من التراكيب والجمل. ويقف عند الفروق بين اللغتين في البناء والتركيب، فيساعد القارئ على تجنب الخلط بينهما، ويجعل الكتاب مدخلاً عملياً إلى اللغتين معاً.

ويُستدل من عنوانه الفرعي على أنه نقل لرسالة في اللغتين، لا تأليفاً ابتكارياً، وقد أضاف المترجم إليه ما يلزم من شرح وتوضيح ليصلح للقارئ العربي، فجمع بين الترجمة والتأليف التعليمي. ويُظهر الكتاب أن تعليم اللغات كان من مطالب الإدارة والتجارة في ذلك العصر.

نبذة عن المؤلف

ناصيف بن منعم المعلوف من المشتغلين باللغات الشرقية في القرن التاسع عشر، ويصفه الطابع في صفحة العنوان بأنه مدرس للألسنة الشرقية، ومؤلف ومترجم في العربية والتركية والفرنسية. ولا تذكر البيانات المتاحة سنة وفاته، فيُقتصر على ما ثبت من اسمه ووصفه. ويظهر من عمله أنه كان متمكناً من اللغتين الفارسية والتركية، عارفاً بطرائق تعليمهما لغير أهلهما، وأنه قصد إلى تقريب مادتهما إلى القارئ العربي.

وكان من أساتذة اللغات الشرقية الذين عملوا في مدارس الدولة العثمانية، وقد أفاد من معرفته باللغات الثلاث في نقل الكتب وتقريبها، وهو ما يفسر عنايته بالمقابلة بين المصطلحات. ويُعدّ من المترجمين الذين أسهموا في نقل المعارف بين لغات المنطقة.

سياق العمل

طُبع الكتاب في إزمير سنة 1853، وهي مدينة عثمانية ذات تجارة واسعة واتصال باللغات، وكانت الدولة العثمانية تحتاج إلى من يعرف التركية والفارسية في إدارتها ومراسلاتها. وقد طبع الكتاب بنفقة أمين مخلص أفندي، أحد موظفي الدولة، في إشارة إلى الحاجة العملية إلى مثل هذه الكتب. ويعكس الكتاب موقع العربية بين لغات المنطقة، بوصفها لغة العلم والترجمة في ذلك العصر.

وكانت إزمير في ذلك العصر ميناءً تجارياً كبيراً، يلتقي فيه التجار والموظفون من أتراك وفارس وعرب، فكانت الحاجة إلى كتب تعليم اللغات فيها ماسة، وهذا ما يفسر طبع الكتاب فيها. وكان المترجمون حلقة وصل بين دواوين الدولة وأهل اللغات الأخرى، وكانت النفقة الخاصة على الطبع دليلاً على اهتمام النخبة بتعليم اللغات.

الموضوعات والأفكار

يتناول الكتاب موضوعات تعليمية متدرجة: الحروف والحركات، وأقسام الكلمة، وأحكام الاسم من حيث التعريف والتنكير والإفراد والجمع، وأبنية الفعل وأزمنته، وأدوات النفي والاستفهام والشرط. ويعرض إلى جانب ذلك مفردات مصنفة بحسب ميادين الاستعمال، وجملاً نموذجية في التحية والسؤال والوصف. ويقف عند الألفاظ المشتركة بين العربية والفارسية والتركية، وينبه إلى ما تغير معناه منها.

ويعرض الكتاب بعض الملاحظات على مخارج الحروف وأحكام النطق في اللغتين، وهي ملاحظات تفيد من يريد القراءة الصحيحة، وتدل على أن المؤلف نظر إلى اللغات نظراً عملياً يخدم التخاطب. ويُستفاد من هذه الملاحظات في دراسة تعليم النطق في ذلك العصر.

الأسلوب الفني

الأسلوب تعليمي تقابلي، يعرض القاعدة في اللغة الأصلية ثم يشرحها بالعربية، ويتبعها بالمثال المترجم. ويعتمد الجداول والتقسيم في عرض الأبنية والتصريف، ويستعمل الحوار والجمل القصيرة في التطبيق. ولغته فصحى واضحة، فيها أثر أسلوب المترجمين في ذلك العصر، من حيث العناية بالمقابلة الحرفية للمصطلح، مع حرص على التفسير حين يلتبس المعنى على القارئ.

ويُستعمل في الكتاب المصطلح النحوي العربي المتداول في كتب التعليم، فيقابل به مصطلحات اللغتين، وهذا ما يجعله مفيداً في دراسة المصطلح النحوي في القرن التاسع عشر، وفي المقارنة بين مصطلحات اللغات الثلاث. ويُظهر صعوبة نقل مصطلحات لغتين إلى العربية في وقت واحد.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من كتب تعليم اللغات الشرقية التي طُبعت في القرن التاسع عشر، وله مكان في تاريخ الترجمة والتعليم في الدولة العثمانية. وقيمته في أنه يحفظ صورة من طرائق تدريس الفارسية والتركية في ذلك العصر، وفي أنه يظهر كيف نظر المترجم العربي إلى اللغتين. ويفيد دارس النحو العربي في المقارنة بين أنظمة اللغات، وفي معرفة المصطلح النحوي المستعمل في التعليم.

ويُعدّ من شواهد النشاط الثقافي العربي في المدن العثمانية، ومنها إزمير، في القرن التاسع عشر، ويفيد في تتبع حركة الترجمة بين لغات المنطقة. ويُستفاد من بياناته في تتبع تاريخ الطباعة العربية في إزمير، وفي معرفة أحوال التعليم في المدارس العثمانية.

معلومات النشر

طُبع الكتاب في إزمير سنة 1269 هجرية الموافقة 1853 ميلادية، بنفقة أمين مخلص أفندي، وتقع نسخته في 107 صفحات. ولا تذكر البيانات المتاحة اسم المطبعة، فيُقتصر على ما ثبت من مكان الطبع وسنته. وقد صُوّرت النسخة تصويراً رقمياً وأتيحت للباحثين في الأرشيفات الرقمية، مع ما يلحق بالمطبوعات القديمة من احتمال نقص أو تشويش في بعض الصفحات.