لسان غصن لبنان في انتقاد العربية العصرية - شاكر شقير
لسان غصن لبنان في انتقاد العربية العصرية كتاب لغوي نقدي صدر في لبنان سنة 1891، يتابع فيه شاكر شقير ما رآه من هنات في استعمال العربية في عصره، بين ما دخلها من ألفاظ أجنبية وما جرى على ألسنة الكاتبين من تراكيب مستحدثة. وهو ثمرة مرحلة توسعت فيها الصحافة والتعليم والترجمة، فصار للغة المكتوبة جمهور جديد ومقتضيات جديدة. ويقف القارئ فيه على صورة من الحركة اللغوية في عصر النهضة، بما فيها من اجتهاد ومن تشدد. ويكشف الكتاب عن قلق لغوي واسع في تلك المرحلة، وعن رغبة في حماية العربية من التفكك أمام تدفق المصطلحات الجديدة.
نبذة عن العمل
الكتاب مجموعة ملاحظات ومقالات في نقد الاستعمال اللغوي، يعرضها المؤلف أبواباً بحسب الموضوع، ويورد فيها الأمثلة ثم يبين وجه الصواب على مقتضى النحو العربي. ولا يقتصر على تصحيح المفردات، بل يتناول التركيب والصياغة، وينظر في الأسباب التي أدت إلى ما يراه اضطراباً في لسان الكاتبين.
ويشكل الكتاب بهذا وثيقة على مرحلة انتقال، إذ كانت العربية تكتب في صحف ومجلات ذات جمهور واسع، فدخلت عليها مصطلحات إدارية وعلمية جديدة، وتغيرت أساليب التحرير. ويقف المؤلف من هذا التغير موقف الحريص على سلامة اللغة، ويحاول أن يضع ضوابط للاستعمال المقبول. ويعتمد في كل ذلك على أمثلة مأخوذة من الصحف والمجلات، لا على شواهد قديمة فقط.
نبذة عن المؤلف
شاكر شقير أديب لبناني عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويعرف بوصفه من الكتاب الذين اشتغلوا بقضايا اللغة في عصرهم، ويشهد كتابه هذا على ذلك الاشتغال. وقد صدر عمله في لبنان سنة 1891، حيث كانت الحركة الثقافية والصحافية في توسع.
ولا تحتفظ المصادر المتاحة بتفاصيل واسعة عن حياته، لكن كتابه يكشف عن ثقافة لغوية واسعة، وعن اطلاع على ما يجري في الصحافة المصرية واللبنانية. ويكشف كذلك عن نزعة تعليمية، إذ يحرص على أن يبين الخطأ والصواب لا أن يكتفي بالحكم على النص. وكان الكتاب موجهاً إلى الكاتبين والصحافيين أكثر من توجهه إلى طلاب النحو المتخصصين.
سياق العمل
شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حركة نهضوية في بلاد الشام ومصر، انتقل فيها مركز الثقل الثقافي إلى الصحافة والمدارس والجمعيات العلمية، وتوسعت الترجمة من اللغات الأوروبية. وقد أدى ذلك إلى دخول مفردات وتراكيب جديدة، وإلى جدل بين من يرى في ذلك إثراء ومن يرى فيه إفساداً للسان. وكانت مدارس ذلك العهد وجمعياته العلمية طرفاً في هذا الجدل، إذ وضعت كتباً تعليمية تحدد المستوى المقبول.
ويأتي كتاب شقير في قلب هذا الجدل، فهو يريد أن يحافظ على العربية الفصحى ويضبط استعمالها في الصحافة والتعليم. ويعكس كتابه أيضاً انتقال العربية من لغة علم قديم إلى لغة إدارة وصحافة، وهو انتقال فرض على الكتاب سرعة في الصياغة وتجديداً في المصطلح.
الموضوعات والأفكار
يدور الكتاب على مسائل الاستعمال اللغوي في العصر، فيناقش الألفاظ الدخيلة، ويبين ما يمكن قبوله منها إذا جرى على أوزان العربية، وما ينبغي رده. ويتناول أيضاً الأخطاء الشائعة في الكتابة الصحفية، من سوء استعمال الحروف إلى اضطراب في تركيب الجملة.
ويتجاوز النقد اللغوي إلى النظر في أثر التعليم والترجمة في اللغة، فيسأل عن جدوى نقل التراكيب الأجنبية إلى العربية، وعن موقع العامية من الفصحى. ويظهر في الكتاب هاجس الحفاظ على الهوية اللغوية في زمن الانفتاح، وهو هاجس صار من ثوابت الخطاب اللغوي في النهضة. ويبدو في الكتاب ميل إلى التشديد على الفصحى، وحرص على رد ما يخالف قواعدها من الاستعمالات الشائعة.
الأسلوب الفني
أسلوب الكتاب نقدي مباشر، يقوم على عرض الخطأ ثم تفسيره ثم تقديم الصواب، ويستعمل الشواهد من القرآن والحديث وكلام العرب إلى جانب أمثلة من الصحف المعاصرة. ولغته فصحى معيارية محافظة، تناسب موضوعها، وتخلو من التعقيد البلاغي. ويجعل هذا الطابع الكتاب صعباً على قارئ اليوم، لأنه يفترض معرفة بالقواعد وبالشواهد القديمة، ويستعمل مصطلحات لم تعد متداولة.
ويغلب على النص طابع المقالة المتتابعة، إذ يعالج المؤلف كل مسألة في مقطع مستقل، ويعود إلى الفكرة نفسها في مواضع متفرقة. وهذا يمنح الكتاب نبرة حوارية أكثر من نبرة الدرس المنظم، ويجعل قراءته أقرب إلى متابعة نقاش صحفي منه إلى دراسة منهجية.
مكانة العمل وتأثيره
يعد كتاب شقير من الأعمال المبكرة في نقد العربية المعاصرة، ويذكر في سياق الحركة التصحيحية التي نشطت في المشرق ومصر. وقد أفاد منه من جاء بعده من الكتاب الذين عنوا بأخطاء الصحافة واستعمالاتها.
وموقعه اليوم في تاريخ اللغة أكبر من موقعه في الدرس النحوي، فهو وثيقة على ما كان يقلق كتاب ذلك العصر في لغتهم. ويجد فيه الباحث مادة لدراسة المصطلح الصحفي في أواخر القرن التاسع عشر، ولدراسة مواقف المثقفين من التحديث اللغوي. ويظل الكتاب مقروءاً في باب تاريخ الأفكار اللغوية، لأنه يعرض موقفاً واضحاً من مسألة التحديث، ويحفظ نماذج من الاعتراضات التي واجهت تجديد العربية.
معلومات النشر
صدر الكتاب سنة 1891 م في لبنان عن المطبعة العثمانية، وبلغ عدد صفحاته أربعاً وثمانين صفحة، وحفظت نسخته الأولى حق الطبع. ولا تذكر البيانات المتاحة طبعة أخرى له، ولا ناشراً غير المطبعة المذكورة.
وتوجد منه نسخة رقمية مصورة متاحة للباحثين، وهي المعتمدة في هذه الصفحة. ولا تعرف له ترجمة إلى لغات أخرى، إذ يتوجه إلى قارئ عربي معني بلغة عصره، وتبقى قيمته في كونه شاهداً على نقاش لغوي لا في كونه مرجعاً معيارياً. ومن هنا يصلح الكتاب للباحث في تاريخ الطباعة والنشر، إلى جانب قيمته في تاريخ اللغة، لأنه يمثل نموذجاً لكتاب صدر في مطبعة محلية ووصل إلى جمهور محدود.
