تذكرة المهندسين وتبصرة الراغبين - علي مبارك

تذكرة المهندسين وتبصرة الراغبين كتاب هندسي تعليمي وضعه علي مبارك سنة 1876 م، حين كان يشغل منصب مستشار المعارف والأشغال والأوقاف. طُبع بمطبعة المدارس الملكية في طبعته الأولى، فجمع بين قواعد الهندسة العملية وما يحتاجه الطالب والمهندس من أصول القياس والرسم والحساب. ويقف القارئ فيه على صورة من صور نقل العلوم التطبيقية إلى العربية في القرن التاسع عشر، وعلى الجهد التعليمي الذي رافق إنشاء المدارس الفنية في مصر. وجاء الكتاب في زمن كانت فيه المكتبة العربية أحوج إلى مراجع فنية مكتوبة بلغتها.

نبذة عن العمل

الكتاب مقرر تعليمي في الهندسة العملية، يعرض قواعدها ومسائلها بعبارة عربية واضحة، ويقصد إلى تمكين الطالب من تطبيق ما يتعلمه في الأعمال الميدانية. ويضم مادة في القياس والمساحة وأصول الرسم الهندسي وما يتصل بها من حساب، مع أمثلة وتمارين توضح طريق الاستعمال. وتُعرض المسائل بترتيب يتدرج من قياس الخطوط إلى المساحات ثم إلى المجسمات.

ويظهر من عنوانه أنه مصنف ليكون «تذكرة» أي مرجعاً سريعاً للمهندسين، و«تبصرة» للمبتدئين الراغبين في تعلم هذا الفن. وهذا الجمع بين الوظيفتين يعطي الكتاب طابعاً مزدوجاً: مرجع عملي لمن يعمل، ومتن تعليمي لمن يتعلم، وهو ما يفسر تنوع موضوعاته بين النظر والتطبيق.

نبذة عن المؤلف

علي مبارك باشا من أعلام النهضة التعليمية في مصر، توفي سنة 1893 م، وتولى مسؤوليات إدارية كبرى منها مستشارية المعارف والأشغال والأوقاف. ارتبط اسمه بتأسيس المدارس وتنظيم التعليم وإرسال البعثات، وله مصنفات في التربية والتاريخ والجغرافيا إلى جانب هذا الكتاب الهندسي. وكان له أثر في تنظيم مناهج التعليم بالمدارس التي أُنشئت في عهده.

ويكشف الكتاب عن جانب من شخصيته العلمية لا يقل أهمية عن جانبه الإداري، وهو إلمامه بالعلوم التطبيقية وحرصه على تعريبها. وقد ألّفه في فترة كانت فيها اللغة العربية تُستعمل في تدريس الهندسة داخل المدارس الجديدة، فجاء نصاً تعليمياً بالعربية في فن كان يُدرّس بلغات أجنبية في كثير من المؤسسات. ويخص هذا الكتاب الجانب الفني من نشاطه العلمي، وهو جانب أقل شهرة من أعماله الإدارية.

سياق العمل

صدر الكتاب في عهد الخديوي إسماعيل، وهي مرحلة شهدت مشروعات عمرانية واسعة: السكك الحديدية، والترع، والجسور، والمباني الحكومية، وما رافقها من حاجة إلى مهندسين وفنيين ومساحين. وقد استدعى هذا النشاط إنشاء مدارس متخصصة وتأليف كتب عربية تخدم طلابها. وكانت هذه المشروعات تحتاج إلى قياس الأراضي وتخطيط الطرق وتقدير المواد.

وفي هذا السياق كان تعريب العلوم التطبيقية مطلباً عملياً، لأن الاعتماد على كتب أجنبية يحدّ من انتشار التعليم بين أبناء البلاد. ويأتي كتاب علي مبارك استجابة لهذا المطلب، إذ قدّم مادة هندسية بالعربية في وقت كانت فيه المصطلحات الفنية ما تزال في طور الاستقرار. وقد استقرت المصطلحات الهندسية العربية تدريجياً عبر هذه الكتب المدرسية.

الموضوعات والأفكار

يتناول الكتاب موضوعات الهندسة التي يحتاجها العامل في الميدان: قياس الأطوال والمساحات والأحجام، وأصول رسم الأشكال الهندسية، ومسائل في المثلثات والدوائر، وما يتصل بذلك من عمليات حسابية. ويُعرض كل موضوع في صورة قاعدة يتبعها مثال محلول يوضح طريقة التطبيق. ويورد في بعض المواضع رسوماً توضيحية تشرح الشكل الهندسي وطريقة تقسيمه.

ويعنى المؤلف بالجانب العملي من الرياضيات أكثر من عنايته بالبرهان النظري، لأن غايته إعداد مهندس يعمل لا رياضياً يبحث. ويظهر ذلك في اختيار الأمثلة وقربها من أعمال البناء والمساحة وتقسيم الأراضي، وفي العناية بالوحدات والمقاييس المستعملة في مصر. وقد جاءت أمثلته من أعمال المساحة وتقسيم الأراضي، وهي أعمال كان الطالب يمارسها بعد تخرجه.

الأسلوب الفني

أسلوب الكتاب تعليمي مباشر، يقوم على التعريف ثم القاعدة ثم المثال، ويستعمل لغة عربية فصيحة قريبة من لغة الكتب العلمية في عصره، مع حرص على إيضاح المصطلح. والجمل قصيرة، والعرض متدرج من السهل إلى المركب، بما يناسب طالباً يبدأ تعلمه من أوله. ويعتمد على الأمثلة المحلولة في تثبيت القاعدة، ثم يترك للطالب تمارين يوازيها.

ويلاحظ في الكتاب حضور الترتيب المنطقي للمسائل، وتكرار التنبيه على الأخطاء الشائعة في القياس والحساب، وهو أسلوب مقصود في الكتب التعليمية. كما تظهر فيه عناية بالمصطلح العربي مقابل ما يقابله في اللغات الأوروبية، وهي عناية تكشف عن مرحلة تشكّل المعجم العلمي العربي الحديث. وقد كان هذا الجهد جزءاً من مشروع أوسع لتعريب التعليم في المدارس المصرية.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من أوائل المؤلفات العربية المطبوعة في الهندسة العملية في مصر، وله مكانة في تاريخ تعريب العلوم التطبيقية. وقد استفاد منه طلاب المدارس الفنية في تلك المرحلة، واعتمده بعض من جاء بعده في ترتيب مادة التعليم الهندسي بالعربية.

ويُذكر علي مبارك في دراسات تاريخ التعليم بوصفه من رجال النهضة الذين جمعوا بين الإدارة والتأليف، ويُستشهد بكتابه هذا على انتقال المعرفة الهندسية إلى العربية في القرن التاسع عشر. أما اليوم فإن قيمته توثيقية، لأنه يحفظ مصطلحات ومقاييس وأساليب تعليم كان العمل بها في مؤسسات ذلك العصر. ويُعدّ من الوثائق التي يعتمد عليها الباحث في تاريخ المصطلح العلمي العربي.

معلومات النشر

صدرت الطبعة الأولى سنة 1876 م الموافقة 1290 هـ بمطبعة المدارس الملكية، على ما ورد في بيانات النسخة المصورة. ولم يُذكر في الوصف المتاح عدد صفحاته، ولا طبعة أخرى له، فبقيت هذه الطبعة هي المعروفة في المصادر.

وتتوافر منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات الرقمية، وهي المصدر المعتمد في هذه الصفحة. ويُقرأ الكتاب اليوم بوصفه وثيقة من وثائق النهضة العلمية المصرية، لا بوصفه مرجعاً معاصراً في الهندسة، لأن مسائله ومقاييسه مرتبطة بمستوى العلم في عصره.