النجوم المشرقات في تدبير المسكونات - رشيد غازي

كتاب في تدبير المساكن وشؤون المعيشة صدر في بيروت سنة 1888 الموافقة 1305 هـ، جمعه رشيد غازي وجعله مجموع فوائد تتصل بالبيت والهواء والماء والفصول، وبالموت الحقيقي والموت غير الحقيقي وعلله ومداواته، وببعض ما يتعلق بالحيوانات الأهلية. طُبع بالمطبعة الأدبية في 183 صفحة، ويُقرأ بوصفه من كتب الإرشاد المنزلي التي انتشرت في أواخر القرن التاسع عشر. ويُفهم من عنوانه أن تدبير المسكن يشمل عنده البدن والهواء والحيوان، لأن صلاح البيت يقوم على صلاح ما فيه. ويظهر في الكتاب أثر البيئة الشامية في اختيار موضوعاته، إذ كان البيت في بيروت وطرطوس يتأثر بالرطوبة والحر، ويحتاج إلى تدبير يلائم فصول السنة.

نبذة عن العمل

يتوزع الكتاب على أبواب متفرقة يجمعها خيط واحد هو العناية بالبدن والبيت: حديث عن الهواء وتجديده، وعن الماء وصلاحيته، وعن الفصول وتأثيرها في الصحة، وعن تنظيم المسكن ومرافقه. ثم ينتقل إلى موضوع الموت الحقيقي والموت غير الحقيقي، فيشرح الفرق بينهما وما يعرض من حالات شبيهة بالموت كالغرق والاختناق.

ويضم الكتاب فصلاً في علاج تلك الحالات وإسعاف أصحابها، وآخر في الحيوانات الأهلية وما يعرض لها من أمراض. وهذا الجمع بين صحة الإنسان وصحة الحيوان والبيئة مألوف في كتب التدبير المنزلي القديمة، إذ كانت تنظر إلى المسكن بوصفه وحدة واحدة تتأثر بأحوالها جميعاً، وتعدّ صلاح البيت مقدمة لصلاح أهله.

نبذة عن المؤلف

رشيد غازي مؤلف من أهل الشام، ينتسب في نسبه إلى أبي عبيد أحمد بن سليمان الصيرفي السوري، ويصف نفسه في بيانات الكتاب بأنه كاتب رديف طرطوس. ولا يقدم المصدر المتاح سنة لوفاته، ولا ترجمة مفصلة لحياته، فيُكتفى بما أثبته في كتابه من صفة وظيفية وموضع، وما يدل عليه عمله من صلة بالإدارة والكتابة.

ويفهم من عمله أنه كان من الموظفين الكتاب في الإدارة العثمانية في منطقة الساحل السوري، ومنها طرطوس، وقد أتاح له ذلك الاطلاع على شؤون الناس وحاجاتهم اليومية. وكتابه هذا ثمرة اطلاع على كتب التربية الصحية المتداولة، وصياغة لها بلغة مبسطة تناسب القارئ العادي، وتقرب له ما يحتاجه في بيته.

سياق العمل

صدر الكتاب في بيروت سنة 1305 هـ، وهي مرحلة كانت فيها العاصمة الساحلية مركزاً للطباعة والنشر في المشرق العربي، تصدر فيها الصحف والكتب وتُوزع على الأقاليم. وكانت كتب الإرشاد الصحي والمنزلي من أنواع التأليف المنتشرة، تترجم أو تُؤلف لتلبية حاجة متزايدة في بيوت المدن.

ويعكس النص كذلك مخاوف الناس في ذلك العصر من الأوبئة والأمراض المعدية، ومن حالات الغرق والاختناق التي كانت شائعة في القرى والمدن. وحديثه عن الهواء والماء والفصول يرد في سياق نظريات طبية قديمة عن أخلاط البدن وتأثير البيئة، وهي نظريات تحولت بعد ذلك تحولاً كبيراً في الطب الحديث.

الموضوعات والأفكار

يقوم الكتاب على فكرة أن حفظ الصحة يبدأ من البيت: هواء نقي، وماء سليم، وتنظيم للطعام والنوم، ووقاية من تقلبات الفصول. وتتكرر فيه نصائح الاعتدال والتدرج في العادات، والتحذير من الإسراف في الطعام والشراب، ومن إغلاق النوافذ وإهمال التهوية، وهي نصائح لا تزال معروفة في الإرشاد الصحي العام، وهي نصائح تقوم على ملاحظة أحوال البيت أكثر من قيامها على تجربة مخبرية.

ويعالج موضوع الموت غير الحقيقي بوصفه حال غياب للعلامات الظاهرة مع بقاء الحياة، فيعدد أسبابه وعلاماته وطرق إسعافه. وهذه المعالجة ذات قيمة تاريخية لأنها تحفظ تصورات الطب الشعبي والعلمي في تلك الفترة عن الموت وأعراضه، قبل تطور وسائل التشخيص الحديثة، وقبل شيوع الأجهزة التي تكشف بقاء الوظائف الحيوية.

الأسلوب الفني

الأسلوب تقريري مبسط، يعتمد التقسيم إلى فصول وعناوين فرعية، ويستعمل الجملة القصيرة والشرح المباشر. ويكثر فيه ضرب الأمثلة من الحياة اليومية، والانتقال من وصف الحال إلى تقديم النصيحة، في نبرة إرشادية تخاطب رب البيت وربة المنزل، وتقدم لهما ما ينفعهما في شؤونهما.

ويظهر في النص معجم دارج إلى جانب المصطلح العلمي، وهو ما يجعله وثيقة لغوية إلى جانب قيمته الصحية. كما تظهر فيه أصداء أسلوب كتب الطب القديمة في وصف الأعراض والأسباب، مع ميل إلى التنظيم المنطقي في العرض والتبويب، وتدرج من العام إلى الجزئي بحسب موضوع كل باب.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من نماذج أدب الإرشاد الصحي المنزلي في المشرق العربي في أواخر القرن التاسع عشر، وله موقع في دراسة تاريخ الصحة العامة والثقافة الصحية. وقد أفاد منه الباحثون في تتبع انتقال المعارف الطبية الأوروبية إلى العربية، وفي دراسة صورة البيت والمدينة في تلك الحقبة.

ويظل نفعه اليوم تاريخياً، إذ تغيرت المعارف الطبية تغيراً كبيراً، وصارت الوقاية والإسعاف تتبع إجراءات معاصرة مضبوطة. ولا يُستقى منه إرشاد صحي في زمننا، وإنما يُقرأ لفهم كيف كان الناس يديرون شؤون بيوتهم وحياتهم اليومية، وكيف تصوروا الأمراض وأسبابها ووسائل الوقاية منها. ويُستعان في سياقه بمراجع تاريخ الطب.

معلومات النشر

طُبع الكتاب في بيروت سنة 1888 الموافقة 1305 هـ بالمطبعة الأدبية، وبلغ 183 صفحة، وجاء عنوانه كاملاً دالاً على مضمونه. وتوجد منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات الرقمية، وهي المصدر المعتمد في هذه الصفحة، مع ملاحظة اختلاف حالات التصوير بين النسخ وتفاوت وضوح بعض الصفحات.

ولا تُعرف له ترجمات منشورة بحسب ما يتوافر من بيانات، إذ كُتب بالعربية لقارئ المشرق. وتفيد نسخته المصورة دارس تاريخ الطب والصحة العامة والطباعة في بيروت في العهد العثماني الأخير، وفي دراسة المؤلفات التي كانت تُطبع لخدمة البيت المسلم وتنظيم شؤونه. ويُرجح أنه كان يُقرأ في البيوت والمدارس معاً، بحسب ما تدل عليه لغة الكتاب ومستوى تفصيله.