نزهة الطلب في علم المغاني والطرب - جرجي إبراهيم رهبة
كتاب في علم الموسيقى والأصوات، وضعه جرجي إبراهيم رهبة الدمشقي، وصدرت طبعته الأولى بمصر سنة 1893 الموافقة 1310 هـ بالمطبعة العامرة الشرفية، في 121 صفحة. يعرض فيه المؤلف مبادئ هذا العلم: تكون الصوت، والنسب الرياضية للأبعاد، والأجناس والمقامات، والأوزان والإيقاعات، وبعض ما يتصل بالآلات، في سياق تعليمي وصفي. ويقف الكتاب عند الحدود التي كان العلم الموسيقي يشتغل فيها في ذلك العصر: قياس الأبعاد، وضبط الأوزان، ووصف الآلات، من غير أن يتوسع في تاريخ الموسيقى ولا في تراجم المغنين. ويستفيد منه اليوم من يدرس تاريخ المصطلح أكثر مما يستفيد منه من يبحث في نظرية موسيقية معاصرة.
نبذة عن العمل
يقدّم الكتاب مادة منظمة في علم الموسيقى على النحو الذي كان متداولاً في كتب النظريين العرب، فيبدأ من الصوت وأسبابه وانتقاله في الهواء، ثم ينتقل إلى النغم والأبعاد والنسب العددية بينها، ثم إلى تركيب السلالم والمقامات، ثم إلى الإيقاعات والأوزان. وهذا التدرج يتبع ترتيباً منطقياً من العنصر المفرد إلى التركيب.
ويضم الكتاب أبواباً في الآلات الموسيقية وطريقة استعمالها، وفي أصول الأداء ومجالسه، وفي المصطلحات التي يحتاجها الدارس. وهذا الجمع بين النظرية الرياضية والتطبيق العملي مألوف في المؤلفات الموسيقية العربية، التي كانت تنظر إلى الموسيقى علماً له قواعد وحساب، لا مجرد ممارسة سماعية.
نبذة عن المؤلف
جرجي إبراهيم رهبة مؤلف دمشقي، يذكر في بيانات كتابه نسبه الدمشقي، ويفيد عنوان مطبعه ومحل بيعه أنه كان يمارس التجارة في الكتب أو في الآلات الموسيقية بشارع محمد علي بمصر. ولا يتضمن المصدر المتاح سنة لوفاته ولا ترجمة مفصلة له، فيُكتفى بما يثبته الكتاب من اسمه وموضعه.
ويفهم من عمله أنه جمع بين الاطلاع على التراث الموسيقي العربي وبين مخالطة أهل الصنعة في مصر، وهي بلاد كانت فيها حركة موسيقية نشطة في أواخر القرن التاسع عشر. ويظهر في كتابه حرص على تبسيط المادة وتقريبها إلى المبتدئ، مع الحفاظ على المصطلح القديم وشرحه عند الحاجة.
سياق العمل
صدر الكتاب في مصر سنة 1310 هـ، وهي مرحلة شهدت نهضة موسيقية اتصلت بالمسرح والصحافة والتسجيل، وظهرت فيها فرق ومدارس وجدل حول التجديد والتقليد. وكانت القاهرة مركزاً يجتمع فيه الموسيقيون من مصر وبلاد الشام، فتتلاقح فيه الأساليب والمصطلحات وتنتقل بين الأقطار. وكانت الصحافة الموسيقية قد بدأت تنشر نقداً للأداء وتناقش قضايا التجديد.
وكان التعليم الموسيقي ما يزال يقوم على التلقين والمشافهة في الأغلب، فجاءت الكتب النظرية لتضبط القواعد وتنقلها بالكتابة. ويعكس هذا الكتاب تلك الحاجة: حاجة الدارس إلى مرجع يشرح الأبعاد والأوزان شرحاً منظماً، بعيداً عن الاعتماد على السماع وحده أو على خبرة الشيخ في المجلس.
الموضوعات والأفكار
تتمحور مادة الكتاب حول فكرة أن الموسيقى علم قائم على قياس، وأن صحة النغم لا تنفصل عن صحة النسبة بين أبعاده. ومن هنا يكثر الحديث عن الأعداد والكسور وتقسيم الوتر، وعن العلاقة بين طول الوتر ودرجة الصوت، وهي أفكار ورثها النظريون العرب عن اليونان ثم أضافوا إليها.
ويعرض الكتاب المقامات بوصفها تركيباً من أجناس وأبعاد، ويبين الأوزان الإيقاعية بوصفها تعاقباً زمنياً مضبوطاً. ويقف عند الأداء من حيث شروطه الفنية ومقاماته، من دون أن يتوسع في وصف المجالس وأحوالها، إذ يغلب على الكتاب الطابع النظري التعليمي الذي يعني بالقاعدة قبل الوصف.
الأسلوب الفني
الأسلوب تعليمي وصفي، يعتمد التقسيم إلى أبواب وفصول، ويستعمل الأمثلة العددية لتوضيح النسب، والجداول لتلخيص الأبعاد والأوزان. والجملة فيه واضحة، والمصطلح مضبوط، ويكثر تعريف الحدود قبل الشروع في التفصيل، حتى يستقر المعنى في ذهن القارئ قبل الانتقال إلى ما يبنى عليه.
ويظهر في النص ازدواج المصطلح: تراثي مستعمل عند النظريين القدماء، ومستحدث اقترب من الاصطلاح الحديث في تلك الفترة. وهذا الازدواج يجعله مفيداً في دراسة تحول المصطلح الموسيقي العربي، وفي تتبع طرق تدريس هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر، وما رافقها من تبسيط وتقريب. وهذا يجعل الكتاب صالحاً لدرس مقارن بين اصطلاحين: اصطلاح النظريين المتقدمين، واصطلاح المدرسة الحديثة.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب من المؤلفات الموسيقية العربية القليلة المطبوعة في ذلك العصر، وله قيمة في تاريخ تدريس الموسيقى وفي توثيق المصطلح. وقد اعتمده الدارسون في تتبع نظرية المقام والأبعاد كما كانت تفهم في المشرق قبل دخول أنظمة التدوين الحديثة وانتشارها في المدارس.
وقيمته اليوم تاريخية وتعليمية معاً: تاريخية لأنه يحفظ صورة العلم في لحظة معينة، وتعليمية لأنه يشرح المبادئ بترتيب يسهل متابعته. ولا يُتخذ منه مرجعاً في الأحكام الشرعية المتعلقة بالأداء والسماع، فذلك باب آخر له أهله ومصادره، وإنما يُقرأ بوصفه وثيقة علمية تاريخية. وقد أفاد منه من كتبوا بعد ذلك في النغم والإيقاع، إذ وجدوا فيه تلخيصاً للمسائل التي كانت متداولة.
معلومات النشر
صدرت الطبعة الأولى بمصر سنة 1893 الموافقة 1310 هـ بالمطبعة العامرة الشرفية التي كان مركزها بخان أبي طاقية، وبلغ الكتاب 121 صفحة، ونص فيه على حفظ حقوق الطبع. وتوجد منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات، ويُرجع في التعريف بالمقامات إلى المقامات الموسيقية.
ولا تُعرف له ترجمات منشورة بحسب ما يتوافر من بيانات، إذ كُتب بالعربية لدارسي الموسيقى في المشرق. وتفيد نسخته المصورة الباحث في تاريخ الموسيقى العربية والطباعة المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، وفي دراسة المصطلحات التي كانت متداولة بين أهل الصنعة. ويُستأنس به كذلك في معرفة أسماء الكتب التي كانت تباع في القاهرة في تلك السنة.
