تنوير الأفهام في تغذي الأجسام - علي مبارك
كتاب في الإرشاد الغذائي والصحي، وضعه علي مبارك باشا، مدير عموم المدارس الملكية، وطُبع بمطبعة المدارس الملكية بدرب الجماميز بالقاهرة سنة 1872، في طبعة أولى. يعرض فيه مبادئ تغذية الجسم: أنواع الأغذية وخواصها، وأثرها في البدن، ووجوه الاعتدال في الطعام والشراب، في لغة مبسطة موجهة إلى القارئ العام وطلبة المدارس. ويُفهم من عنوانه أنه يقصد إلى تنوير الأفهام، أي إلى نشر معرفة نافعة بين الناس، لا إلى مخاطبة الأطباء وحدهم، وهو ما يناسب موقع مؤلفه في إدارة التعليم. ويتابع القارئ في فصوله أثر المدرسة الحديثة في تبسيط المعرفة الصحية وتقريبها إلى لسان العامة.
نبذة عن العمل
يتناول الكتاب الغذاء من جهة علاقته بصحة البدن، فيبدأ بتعريف الأغذية وأنواعها: ما يُؤكل من الحبوب واللحوم والخضار والفواكه والألبان، ويبين ما في كل نوع من قوة على تغذية الجسم. ثم ينتقل إلى الكلام على الهضم وطريقة استفادة البدن من الطعام الذي يدخل إليه.
ويضم الكتاب نصائح في تنظيم الوجبات، وفي اجتناب الإسراف، وفي مراعاة حال المريض والصغير ومن يعمل عملاً شاقاً. ويبدو أنه صيغ على هيئة فصول قصيرة متتابعة، يسهل على القارئ تناولها، وعلى المعلم شرحها لتلاميذه في المدرسة، ويجعل منها مادة للدرس اليومي. ويظهر في الترتيب حرص على أن يجد القارئ في كل صفحة فائدة عملية يمكن أن يعمل بها في يومه.
نبذة عن المؤلف
علي مبارك باشا (توفي سنة 1893) من أعلام النهضة التعليمية في مصر، نشأ في بيئة ريفية، وتلقى تعليماً هندسياً وعسكرياً، ثم تولى إدارة المدارس، وارتبط اسمه بتوسيع التعليم وتنظيم مناهجه وبمشروعات عمرانية وزراعية كبرى. وقد عُرف بجمع العمل الإداري إلى التأليف، وبعنايته بتنظيم المدارس وتوسيع التعليم في القرى.
وله مصنفات في التربية والتاريخ والخطط، ويُعدّ كتاب الخطط التوفيقية من أشهر ما كتب. ويظهر في هذا الكتاب اهتمامه بالجانب العملي من التربية، إذ يخاطب القارئ في شؤون بيته وغذائه، لا في مسائل السياسة والإدارة وحدها، فيكشف عن وجه آخر من وجوه إصلاحه التعليمي.
سياق العمل
صدر الكتاب سنة 1872، وهي مرحلة كانت فيها مصر تعيد بناء مدارسها ومناهجها، وتنقل إلى العربية كتباً في العلوم والطب والصحة. وكان الاهتمام بصحة التلاميذ جزءاً من مشروع التعليم الحديث، لأن المدرسة تحتاج إلى تلاميذ أصحاء يقدرون على التحصيل والانتظام في الدرس.
ويعكس الكتاب كذلك حال المعرفة الغذائية في ذلك العصر، إذ كانت تتصل بنظريات طبية قديمة عن قوى الأغذية وأخلاط البدن، وتختلط بالنصائح الشعبية المتوارثة. وهذا الخلط نفسه هو ما يجعله وثيقة على ثقافة الطعام في مصر في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى ما كان يُعدّ علماً نافعاً في ذلك الحين.
الموضوعات والأفكار
يقوم الكتاب على فكرة أن الغذاء سبب رئيس لصحة البدن أو مرضه، وأن الاعتدال في الطعام أصل في حفظ الصحة. ويتفرع عن ذلك حديث في ضرر الإسراف، وفي خطر الطعام الفاسد، وفي أهمية تنوع الأغذية لحصول البدن على ما يحتاجه من قوة ونماء، وهو مبدأ صار أساساً في الإرشاد الصحي الحديث.
ويتضمن الكتاب إرشادات في الماء والهواء والنظافة، إذ لا تنفصل التغذية عن بقية شؤون البدن في تصور المؤلف. ويحرص على مخاطبة الأسرة في اختيار غذاء الأطفال والمرضى، وعلى تنبيه القارئ إلى أن ما يصلح لبدن لا يصلح لآخر بحسب السن والعمل والحال، وهو مبدأ عملي في الإرشاد.
الأسلوب الفني
الأسلوب تعليمي مباشر، يعتمد الجملة القصيرة والفقرة المحدودة، ويكثر فيه ضرب الأمثلة من الطعام المتداول في بيوت المصريين. والنبرة إرشادية، تبدأ ببيان الحال ثم تنتقل إلى النصيحة، من دون تعقيد في المصطلح، ومن دون افتراض معرفة سابقة عند القارئ.
ويظهر في الكتاب معجم الحياة اليومية إلى جانب المصطلح الطبي، وهو ما يجعله سهل المتناول على القارئ العادي. كما تدل صياغته على خبرة إدارية وتعليمية، إذ يرتب المادة بحسب حاجة القارئ لا بحسب تقسيم علمي صارم، ويقدم القاعدة في صورة نافعة قابلة للتطبيق في البيت.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب من أوائل المطبوعات العربية في الإرشاد الغذائي الموجة إلى القارئ العام، وله موقع في تاريخ الصحة العامة والتعليم في مصر. وقد أفاد منه الباحثون في دراسة ثقافة الطعام والنظافة في القرن التاسع عشر، وفي تتبع انتقال المعارف الصحية إلى العربية.
وقيمته اليوم تاريخية بالأساس، لأن علم التغذية تغير تغيراً كبيراً، وصارت التوصيات الغذائية تُبنى على بحوث تجريبية وقياسات دقيقة. ولا يُستقى منه إرشاد صحي معاصر، وإنما يُقرأ لفهم كيف كان المصلحون التعليميون في ذلك العصر يتعاملون مع صحة البدن وشؤون الأسرة. ويُقرأ اليوم في سياق تاريخ النهضة التعليمية وجهود المصلحين، لا في سياق الطب الغذائي المعاصر.
معلومات النشر
طُبع الكتاب بمطبعة المدارس الملكية الكائنة بسراي درب الجماميز بالقاهرة سنة 1872، في طبعة أولى، ولم تُسجل في المصدر المتاح بيانات عن عدد صفحاته. وتوجد منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات، ويُرجع في ترجمة المؤلف إلى علي مبارك. وقد كان للمطبعة دور في نشر الكتب المدرسية والعلمية التي احتاجتها المدارس في تلك السنة.
ولا تُعرف له ترجمات منشورة بحسب ما يتوافر من بيانات، إذ كُتب بالعربية لقارئ مصري. وتفيد نسخته المصورة دارس تاريخ التعليم والصحة والطباعة في مصر، وفي دراسة جهود علي مبارك في الإصلاح التعليمي وما صاحبها من تأليف موجه إلى النفع العام.
