هل عرف العرب البلهارزية - أنستاس ماري الكرملي

هل عرف العرب البلهارزية مبحث قصير صدر سنة 1941م في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، للباحث أنستاس ماري الكرملي، ويقع في خمس صفحات من المجلد السادس عشر. ويطرح العمل سؤالاً واحداً محدداً: هل كان العرب يعرفون هذا المرض قبل أن يتعرف الطب الحديث عليه ويصفه؟ وينطلق الباحث من النصوص العربية والمعاجم الطبية ليتبين ما ورد فيها من أثر للمرض وتسمياته، فيصل بذلك بين التراث الطبي العربي والدرس الطبي الحديث في صيغة سؤال علمي مضبوط. ويُقرأ اليوم بوصفه حلقة في سلسلة بحوث كانت تعيد قراءة التراث في ضوء المعارف الطبية المستجدة.

نبذة عن العمل

الكتاب في حقيقته مقالة محكمة لا مصنف مستقل، وقد ظهرت في مجلة علمية دورية، وهو ما يحدد حجمها وطريقتها. وتقوم على سؤال محدد يُعرض في صدر المبحث، ثم تُجمع له الشواهد من المصادر العربية: كتب الطب، والمعاجم، وما وقع في التصانيف من أسماء للأمراض. ولا يتوسع الكاتب في التاريخ العام للمرض، بل يلتزم حدود سؤاله، ويعرض ما وجده من نصوص ليناقش دلالتها على معرفة العرب بالداء.

ويظهر في المبحث حرص على التمييز بين ما ورد صريحاً في النصوص وما استُنبط منها، وهو تمييز جوهري في بحث تاريخي يتعامل مع ألفاظ قديمة تحمل أكثر من دلالة وتحتاج إلى قرائن. ولأن المبحث قصير، فإنه لا يستقصي كل ما ورد في المصادر، بل يكتفي بما يراه كافياً لبيان دعواه أو لنفيها.

نبذة عن المؤلف

أنستاس ماري الكرملي باحث لغوي توفي سنة 1947م، وله حضور في المجلات العلمية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد نشر في المجمع العلمي العربي بدمشق كما نشر في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو ما يدل على موقع له في الدوائر اللغوية والعلمية في عصره. ويجمع نتاجه بين اللغة والتاريخ والتحقيق، ويظهر في هذا المبحث أثره اللغوي واضحاً في عنايته بأسماء المرض واشتقاقها. ولمزيد من التعريف به يُنظر في ترجمة أنستاس ماري الكرملي.

وقد عُرف الكرملي بغزارة النشر في المجلات، وبعنايته بالمسائل اللغوية الدقيقة، وهو ما يفسر اختياره لموضوع يتقاطع فيه الطب بالمعجم، ويجمع بين التحقيق اللغوي والسؤال العلمي.

سياق العمل

صدر المبحث سنة 1941م في دمشق، في مجلة المجمع العلمي العربي التي كانت منبراً للدراسات اللغوية والتاريخية والعلمية. وكان الطب الحديث قد تعرف على الطفيلي المسبب للمرض في القرن التاسع عشر، وانتشرت دراساته في مصر والسودان حيث كان المرض واسع الانتشار. وفي هذا السياق اتجه بعض الباحثين إلى سؤال التراث: هل سبق العرب إلى وصف هذا الداء؟ وهو سؤال يجمع بين فخر تراثي وتحقيق علمي دقيق.

وكانت المجلة تنشر إلى جانب البحوث اللغوية مواد في التاريخ والعلوم، وكانت أسئلة التراث العلمي تجد فيها موضعاً، لأنها تخاطب قارئاً يقرأ في اللغة والطب معاً.

الموضوعات والأفكار

يدور المبحث حول المعرفة العربية القديمة بالمرض، لا حول علاجه ولا حول تاريخ انتشاره في العصر الحديث. ويبحث الكاتب في الألفاظ التي وردت في كتب العربية والطب، ويسأل هل تدل على المرض ذاته أم على أعراض مشابهة نسبت إليه. ويتصل هذا الجهد بـالطب من جهة تاريخه لا من جهة ممارسته، وبالمعجمية من جهة العناية بتسمية الداء وضبط دلالته في النصوص القديمة.

ويسأل البحث عن التسمية قبل السؤال عن الوصف، إذ إن معرفة الداء تبدأ غالباً من اسمه، فإذا وجد الاسم في التراث دل ذلك على معرفة ما، وإن اختلفت حدودها عن معرفة اليوم.

الأسلوب الفني

الأسلوب بحثي موجز، يقوم على عرض السؤال ثم الشواهد ثم المناقشة. ويستعمل الكاتب النقل الدقيق من المصادر، مع ذكر موضع النص والموازنة بين الألفاظ، ويجنب القارئ الاستطرادات الطويلة. واللغة عربية فصيحة عالمية، فيها شيء من صرامة المقالة العلمية ومن حذر المحقق الذي لا يجزم بما لا يقوم عليه دليل. ويظهر ذلك في صياغة الأسئلة أكثر من صياغة الأحكام القاطعة.

ويعتمد الكاتب على المقارنة بين نصوص من كتب مختلفة، ويقدم الشاهد ثم يشرحه شرحاً موجزاً، ثم ينتقل إلى غيره، وهو أسلوب يجعل المبحث سلساً مع احتفاظه بالدقة العلمية.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ المبحث نموذجاً لدرس تاريخ الطب في العربية، يقرأ التراث بعين العلم الحديث من دون أن يخلط بينهما. وهو صغير الحجم لكنه دال على اتجاه بحثي كان قائماً في المجامع العلمية، إذ كانت تُطرح أسئلة التلاقي بين التراث والمعرفة الحديثة وتُناقش في الدوريات. ويفيد منه الباحث في تاريخ الطب والأمراض المتوطنة، وفي تاريخ المصطلح الطبي العربي، أكثر مما يفيد منه القارئ الباحث عن معلومات علاجية.

ويأتي المبحث في سياق اهتمام المجمع بالمسائل التي تربط اللغة بالعلوم، وهو اهتمام يظهر في أعداد المجلة وفي بحوث أعضائها الآخرين، ويجعلها سجلاً للحياة العلمية في دمشق. ويحسن بالقارئ أن يقابل بينه وبين ما كتبه أطباء عرب في تاريخ الأمراض المتوطنة، ليقف على تعدد المناهج في هذا الباب.

معلومات النشر

صدر المبحث سنة 1941م في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ضمن المجلد السادس عشر، الجزأين الثالث والرابع، في الصفحات من 115 إلى 119. وتلك هي البيانات التي يثبتها الوصف الأرشيفي، وتعتمدها هذه الصفحة. والنسخة الرقمية المصورة متاحة في الأرشيفات الرقمية لمن يريد قراءة النص كاملاً، مع التنبيه إلى أن المقالة دراسة تاريخية لا مرجعاً طبياً معاصراً، ويحسن الرجوع إلى أعداد المجلة نفسها لمعرفة ما ورد على المبحث من تعقيب.

ويُحسن بمن يقصد المبحث أن ينظر في الجزأين الثالث والرابع معاً، فقد صدرا في عدد واحد، وهو ما يفسر تجاور موضوعاته وتوزيع صفحاته على المبحث.