الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج - ميخائيل الصباغ

الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج رسالة لغوية تعنى بتدوين ألفاظ العامة ووصف أحوال كلامهم، وتقف عند الفروق بينه وبين اللغة الفصحى في المفردات والأبنية والنطق. صدرت سنة 1886، وتقع في 103 صفحات، فتُعد من المدونات المبكرة التي تعاملت مع اللغة الدارجة بوصفها مادة تستحق الجمع والدرس، لا بوصفها خطأً يجب تجنبه فحسب، وهي بهذا المعنى وثيقة على وعي لغوي جديد في القرن التاسع عشر. وقد جاءت الرسالة في زمن كانت فيه اللغة المحكية موضع ازدراء في أوساط التعليم، فاختار مؤلفها أن يصفها ويصنفها، وأن يبين ما فيها من قواعد مطردة.

نبذة عن العمل

يتوزع الكتاب على قسمين يجمعهما عنوانه: قسم يعنى بكلام العامة وألفاظهم، وقسم يعنى بالمناهج وأحوال الكلام الدارج. يعرض المؤلف في القسم الأول طائفة من المفردات والتعابير المتداولة على الألسنة، ويشرح معانيها، ويقابلها بما يقابلها في الفصحى، ثم يتناول في القسم الثاني مسائل تتصل بطبيعة الكلام الدارج وطرائق وصفه وضبطه. ويظهر من ترتيبه أنه بُني على ملاحظة مباشرة للاستعمال اللغوي، وعلى جمع متفرق من الألفاظ، لا على الاقتصار على ما في المعاجم القديمة وحدها.

ويقع الكتاب في نحو مئة صفحة، وهو حجم يناسب رسالة لا موسوعة، وقد حرص المؤلف على أن تكون مادته منتقاة من الاستعمال الشائع، لا مستقصاة من كل ما يجري على الألسنة، فجاءت الرسالة صورة مركزة لدائرة الاهتمام اللغوي عنده.

نبذة عن المؤلف

يُعرف المؤلف في صفحة العنوان بميخائيل بن نقولا بن إبراهيم صباغ، وهو نسب يرد كاملاً في بيانات النسخة المصورة من الكتاب. ولا تتوافر في المصادر المتاحة تفاصيل موسعة عن حياته، ولا سنة وفاته، فيُكتفى بما يثبته الكتاب نفسه من اسمه ونسبه وزمن تأليفه. ويظهر من موضوع رسالته أنه كان من المشتغلين باللغة، ومن المتابعين لأحوال الكلام الحي في بيئته، وأنه نظر إلى الدارجة نظر الباحث الذي يجمع ويصنف ويقارن، لا نظر المستنكِر الذي يكتفي بالحكم عليها.

ولا يُعرف له عمل آخر في هذا الباب، فيبقى الكتاب نفسه المصدر الأول للتعريف به وبمنهجه. ويُستفاد منه في متابعة تحولات المصطلح اللغوي في ذلك العصر.

سياق العمل

ظهر الكتاب في القرن التاسع عشر، وهو عصر شهد في المشرق العربي نهضة في الطباعة والتأليف والترجمة، واتساعاً في التعليم، وظهور صحافة ومدارس جديدة، فتحول الاهتمام باللغة إلى ميدان عملي يخدم التعليم والإدارة. وفي هذا المناخ بدأ الدارسون ينظرون إلى اللغة المحكية بوصفها ظاهرة قائمة بذاتها، لها مفرداتها وقوانينها، بعد أن كانت الدراسة اللغوية العربية تدور في الأغلب حول النصوص الفصيحة وقواعدها. ويعكس الكتاب هذا التحول في نظرة الباحث إلى ما يجري على ألسنة الناس.

ويُحسب للكتاب أنه ظهر قبل أن تستقر الدراسات الوصفية للهجات العربية منهجاً مستقلاً في الجامعات، فكان خطوة مبكرة في هذا الطريق، سبقت ما جاء بعدها من معاجم العامية ومن بحوث اللهجات في المشرق والمغرب.

الموضوعات والأفكار

يقف الكتاب عند ألفاظ الحياة اليومية: المأكل والملبس والمسكن، وأدوات الصناعة والحرفة، وأسماء ما يتعامل به الناس في أسواقهم وبيوتهم. ويشرح المؤلف معاني هذه الألفاظ، وينبه إلى ما دخلها من تغير في الدلالة، وإلى ما وقع فيها من إبدال أو حذف أو قلب في الحروف. ثم يعرض لمسائل في الأبنية والصيغ، فيقف عند أوزان الكلمات وطرائق اشتقاقها، وعند بعض الظواهر الصوتية التي تميز النطق الدارج. ويخلص من ذلك كله إلى وصف منظم لعلاقة الدارجة بالفصحى، وهو ما يقرب عمله من مباحث فقه اللغة التي تعنى بتاريخ الألفاظ وتغير دلالاتها.

ويُستفاد من مادته في معرفة ألفاظ المهن والأدوات في ذلك العصر، وفي تتبع ما دخل العربية المحكية من تغير في الأبنية والمعاني.

الأسلوب الفني

يغلب على الكتاب الأسلوب التعليمي الوصفي، فيعمد المؤلف إلى عرض اللفظ ثم شرحه ثم مقابلته بالفصيح، ويستعين بالأمثلة والجمل التي تحفظ السياق الذي يرد فيه اللفظ. ولغته فصحى واضحة، لا تتعمد الغرابة، لكنه يورد ألفاظ العامة كما هي، ويشرحها في موضعها، فيجمع بين لغة الشرح ولغة المادة الموصوفة. ويظهر في تقسيمه للرسالة وتسميته للأبواب منهج واضح، يدل على أن المؤلف أراد كتاباً يمكن الرجوع إليه في موضعه، لا مجرد مجموعة ملاحظات متفرقة.

وقد راعى المؤلف أن يكون كتابه صالحاً للطالب والمتعلم، فلم يشحن صفحاته بالمناقشات النظرية، بل جعل المادة نفسها هي المحور، يقدمها مرتبة مشروحة، ويكرر الإشارة إلى الفرق بين الاستعمالين حين يلزم الأمر.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ هذا الكتاب من أوائل ما طُبع بالعربية في وصف اللغة الدارجة وصفاً منظماً، ولهذا يرجع إليه الباحثون في تاريخ العربية المحكية وفي دراسة تحولات ألفاظها. وقيمته في أنه حفظ مادة لغوية من زمنها، إذ سجل ألفاظاً وتعابير كان كثير منها في طور التغير أو الاندثار، فصار سجلاً لاستعمال لغوي لا تعرضه المعاجم الفصيحة عادة. ويفيد منه دارس النحو العربي في تتبع أثر الاستعمال الحقيقي في قواعد الوصف، كما يفيد من يدرس تاريخ اللهجات العربية في العصر الحديث.

ويُعدّ الكتاب مقدمة لما جاء بعده من دراسات اللهجات العربية، وإن لم تتوافر له أدوات البحث الحديث. ويقف الباحث فيه على مرحلة كان فيها الوصف اللغوي يعتمد على الملاحظة المباشرة والجمع، قبل أن تتأسس المناهج العلمية المتخصصة.

معلومات النشر

صدر الكتاب سنة 1886، وتقع نسخته في 103 صفحات. ولا تذكر بيانات النسخة المتاحة اسم المطبعة ولا دار النشر ولا مكان الطبع على وجه التحديد، فيُقتصر على ما ثبت منها. وقد صُوّرت النسخة تصويراً رقمياً، وهي متاحة للباحثين في الأرشيفات الرقمية، مع ما يلحق بذلك من احتمال نقص في بعض الأوراق أو اختلاف في الترقيم بين النسخ. ويبقى الاعتماد في التوثيق على صفحة العنوان وما ورد فيها من اسم المؤلف ونسبه وسنة الطبع.

ويُلاحظ أن بيانات الطبع في مثل هذه الرسائل من القرن التاسع عشر كثيراً ما تُختصر، فيُكتفى فيها بسنة الإصدار واسم المؤلف، ويُترك ذكر المطبعة، وهو ما يوافق ما ورد في نسخة هذا الكتاب.