القطع المنتخبة - يحيى إبراهيم
«القطع المنتخبة» كتاب مدرسي أُعدّ للاستخدام في المدارس الأميرية بمصر، صدرت طبعته الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة 1893 م، ويقع في ثلاثة أجزاء. وقد قررت نظارة المعارف العمومية طبعه على نفقتها واستعماله في مدارسها بقرار مؤرخ في الثامن من أبريل سنة 1893 م. ويحمل الكتاب اسم يحيى إبراهيم، نائب قاضي بمحكمة الاستئناف، وهو ما يجعله وثيقة من وثائق التعليم والقضاء معاً. ويحمل الكتاب في عنوانه دلالة على منهجه: فهو مجموعة قطع مختارة، لا مؤلفاً متصلاً، وقد صيغ ليكون أداة في يد المعلم والطالب معاً.
نبذة عن العمل
الكتاب مجموعة مختارات أُعدّت للطلاب، تقوم على اختيار قطع تناسب مراحل التعليم وتدرّبهم على القراءة والفهم. وقد جاء في ثلاثة أجزاء، وهو تقسيم شائع في الكتب المدرسية التي تراعي تدرج الطالب من مرحلة إلى أخرى. وتكمن قيمته في أنه صار كتاباً مقرراً بقرار رسمي، لا في مادته وحدها.
ويشيع في مثل هذه الكتب الجمع بين النفع اللغوي والتهذيب الأخلاقي، إذ يُختار النص لأنه يُعلّم الطالب لغة سليمة ويُقرّبه من معانٍ يراها القائمون على التعليم نافعة. ومن هنا تكشف «القطع المنتخبة» عن تصور التعليم في تلك المرحلة: ماذا يُقرأ، ولماذا، وكيف يُقاس نجاح الطالب.
نبذة عن المؤلف
يحيى إبراهيم قاضٍ مصري، عُرّف على غلاف كتابه بأنه نائب قاضي بمحكمة الاستئناف، وهي وظيفة تدل على تكوين قانوني ومكانة في السلك القضائي. ولم تُسعف المصادر المتاحة بتفاصيل موسعة عن نشأته ووظائفه القضائية. ويوحي اختياره لإعداد كتاب مدرسي بأن النظارة كانت تستعين بأصحاب الاختصاص من خارج سلك التعليم.
ويُلاحظ أن الجمع بين العمل القضائي والتأليف التعليمي لم يكن غريباً في ذلك العصر، إذ كان القضاة والمدرسون والمترجمون يشتركون في تكوين لغوي واحد، ويُنظر إلى خدمة اللغة والتعليم بوصفها واجباً من واجبات الطبقة المتعلمة. ويؤكد ذلك أن الكتابة المدرسية لم تكن حكراً على المعلمين، بل شارك فيها أصحاب المهن الأخرى.
وكانت المحاكم الأهلية في مصر تعمل بقوانين مدنية مقننة، وكان القضاة يتلقون تكويناً لغوياً وقانونياً معاً. وهذا الخلف المشترك بين القانون المدني والتعليم يفسر كيف وجدت النظارة في القاضي مؤلفاً صالحاً لكتاب قراءة، يخدم اللغة والتهذيب في وقت واحد.
سياق العمل
صدر الكتاب سنة 1893 م، في مرحلة كانت نظارة المعارف تعمل على توسيع التعليم الأولي والابتدائي، وتوحيد الكتب المقررة في المدارس الأميرية. وكانت المطبعة الأميرية ببولاق تتولى طبع الكتب الدراسية بأعداد كبيرة، فتضمن توزيعها على المديريات والمدارس، وتمنع تفاوت المناهج بين الأقاليم.
وقد صدر القرار الوزاري في الثامن من أبريل سنة 1893 م برقم ثلاث مئة وثلاثة عشر، ونص على أن تُطبع القطع على نفقة النظارة وأن تُستعمل في المدارس. وهذا النص الإداري، مع صغره، يدل على أن الكتاب كان جزءاً من سياسة تعليمية مركزية، تريد أن يكون لكل طالب الكتاب نفسه والمعرفة نفسها.
الموضوعات والأفكار
تتوزع موضوعات الكتاب على اللغة والقراءة والتهذيب والمعلومات العامة. فالقطع تدرّب الطالب على النطق السليم وفهم التركيب، وتعرّفه على معانٍ أخلاقية واجتماعية، وتوسع مداركه بما يتصل بالبلاد والناس والتاريخ. ويقوم الاختيار على التدرج في الطول والصعوبة، بحيث ينتقل الطالب من القطعة القصيرة إلى الأطول والأركب.
ويتصل بهذا أن الكتاب لا يعلّم اللغة بوصفها قواعد مجردة، بل بوصفها أداة لفهم النصوص وإنتاج المعنى. فالمادة المختارة تحمل قيماً يراد تثبيتها في الطالب، من حب العلم واحترام العمل إلى الوفاء والصدق، وهو ما كان يُسمى في خطاب تلك المرحلة بالتهذيب.
الأسلوب الفني
أسلوب الكتاب تعليمي في بنيته، يقوم على النص المختار ثم ما يتبعه من شرح أو تمرين. ويغلب على مادته النثر الفصيح، مع عناية بالسلامة اللغوية والوضوح، لأن الغرض تدريب الطالب لا إمتاع النخبة. ويظهر فيه أثر المنهج القديم في التعليم، حيث يُحفظ النص ويُشرح، ثم يُطلب من الطالب أن يجري على مثاله.
ويُفهم من تقسيم الكتاب إلى أجزاء أنه كان يُدرَّس على مراحل، وأن لكل جزء مستوى يناسبه. وهذا التدرج يفرض على المؤلف أن يوازن بين غزارة المادة وسهولة العبارة، وهو توازن صعب في كتاب واحد، ويفسر اختلاف كثافة النصوص بين الأجزاء الثلاثة.
ويميل الكتاب إلى الجملة القصيرة والتراكيب الواضحة في الأجزاء الأولى، ثم يفسح في الأجزاء التالية مجالاً للنصوص الأطول والأعمق. وهذا التدرج نفسه أسلوب تعليمي، لأنه يبني الثقة قبل أن يطلب الجهد، ويمنع أن يصطدم الطالب بنص فوق طاقته فينصرف عن القراءة.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب وثيقة من وثائق تاريخ التعليم في مصر، لأنه يحفظ قائمة بما كان يُقرأ في المدارس في أواخر القرن التاسع عشر، ويكشف عن تصور القائمين على التعليم لمهمة المدرسة. ويفيد الباحث في تاريخ الكتاب المدرسي، وفي دراسة اللغة التي كُتبت بها المناهج، وفي فهم العلاقة بين السلطة التعليمية والمؤلفين.
كما يلقي ضوءاً على دور المطبعة الأميرية في نشر المعرفة المنظمة، إذ كانت تطبع الكتاب المدرسي والكتاب العلمي والجريدة الرسمية في وقت واحد، فتؤدي وظيفة مؤسسة ثقافية لا مجرد مطبعة. وهو ما يجعل تاريخ الطباعة جزءاً من تاريخ التعليم لا ملحقاً به.
معلومات النشر
صدرت الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر المحمية، سنة 1893 م، في ثلاثة أجزاء، وتحمل إشارة إلى حفظ حقوق الطبع للنظارة. ولا تُثبت البيانات عدد الصفحات، ولا تذكر سعراً للنسخة. ويحمل الغلاف اسم المؤلف وصفته نائب قاضي بمحكمة الاستئناف، مع الإشارة إلى قرار النظارة الذي أقر الكتاب للمدارس.
وتحفظ النسخة الرقمية صفحة العنوان وما يليها من إشارات إدارية، وهي مادة تفيد في توثيق العلاقة بين المؤلف والمؤسسة، إذ يظهر فيها اسم النظارة وحقوقها على الكتاب. وهذا النوع من الوثائق قليل في مطبوعات تلك الفترة، ويُعدّ مصدراً مباشراً لتاريخ السياسة التعليمية.
