المعاينة والعلامات التشخيصية للأمراض الباطنية - عيسى حمدي باشا

“المعاينة والعلامات التشخيصية للأمراض الباطنية” كتاب طبي مصري صدر سنة 1906م، وضعه الدكتور عيسى حمدي باشا، أستاذ الأمراض الباطنية ورئيس المدارس الطبية، ليكون مرشداً للطبيب في فحص المريض واستخلاص دلالة العلامات الظاهرة على المرض. وقد أخرجه المؤلف مزوداً بمئة وسبعة وأربعين شكلاً توضيحياً، وطبعته المطبعة الأميرية بمصر في 398 صفحة، فجمع بين النص التعليمي والرسم التشريحي والسريري، وهو جمع يعكس مرحلة كان فيها التعليم الطبي المصري يعتمد على الملاحظة المباشرة والوسائل البصرية في نقل المعرفة. ويقف القارئ على مرحلة كان فيها الرسم جزءاً من النص الطبي، لا ملحقاً توضيحياً منفصلاً عنه.

نبذة عن العمل

يعنى الكتاب بوصف العلامات التي تظهر على المريض وربطها بالأمراض الباطنية، ويقوم على فكرة أن التشخيص عمل استدلالي يبدأ من الملاحظة وينتهي إلى الحكم. ويبدو أنه رتب مادته على الأمراض أو على أعضاء الجسم، فيعرض لكل حالة علاماتها المميزة وما يشتبه بها، ثم يوجه الطبيب إلى ما يعينه على التمييز بين المتشابه. وتؤدي الأشكال التوضيحية وظيفة عملية، إذ تنقل صورة العلامة أو موضعها، فتقل حاجة الطالب إلى التخيل، ويستطيع أن يقابل بين ما يقرؤه وما يراه في العيادة.

ويظهر في الكتاب حرص على أن يكون الفحص منهجاً متتابعاً لا عملاً عشوائياً، فينتقل الطبيب من النظر إلى اللمس إلى الإصغاء، ويبني حكمه على مجموع ما جمعه من قرائن لا على علامة واحدة.

نبذة عن المؤلف

عيسى حمدي باشا طبيب مصري جمع بين التدريس والإدارة الطبية وممارسة العلاج في مواقع رفيعة، فقد عمل معلماً للأمراض الباطنية ورئيساً للمدارس الطبية، وشغل منصب كبير الأطباء في مستشفى قصر العيني وفي العائلة الخديوية، وكان عضواً في المجلس العلمي المصري وفي عدد من الجمعيات الطبية في فرنسا. وتدل هذه المناصب على تكوين طبي فرنسي شائع في مصر تلك المرحلة، وعلى خبرة سريرية طويلة، وهما أمران يظهر أثرهما في اختياره للموضوع وفي تنظيمه للمادة. وقد عاصر إصلاحاً في التعليم الطبي، فكان من أساتذة الجيل الذي نقل الطب المصري إلى العربية.

سياق العمل

صدر الكتاب في مرحلة كان فيها الطب المصري الحديث يتشكل في مدرسة قصر العيني وما تفرع عنها، بعد أن انتقل التعليم الطبي من صيغة الترجمة إلى صيغة التأليف المدرسي. وكانت المطبعة الأميرية تطبع الكتب العلمية بالعربية، وتضع المصطلحات الطبية في صياغة عربية متداولة. وفي هذا السياق كان الأستاذ المصري في حاجة إلى كتاب يجمع بين الدقة العلمية والوضوح التعليمي، ويستفيد من الرسم الطباعي الذي صار متاحاً، ليجعل الدرس أقرب إلى الحس وأبعد عن الحفظ الأصم.

وكانت مصر في تلك السنوات تشهد توسعاً في المستشفيات والمدارس الطبية، وارتفاعاً في عدد الطلاب الذين يدرسون بالعربية، فصارت الحاجة إلى مراجع مدرسية مؤلفة بالعربية لا مترجمة وحدها أمراً ملحاً.

الموضوعات والأفكار

يدور الكتاب على فكرة مركزية هي أن المرض يعرف من علاماته قبل أن يعرف باسمه، وأن الفحص الجيد يسبق العلاج. ويعرض في هذا الإطار مسائل عدة: قيمة الملاحظة المباشرة، والفرق بين العلامة والدليل، وأثر تعدد الأعراض في اضطراب التشخيص، وأهمية مقارنة الحالات بعضها ببعض. ويقترب الكتاب في هذا المنهج من الطب السريري الحديث الذي يقوم على الربط بين ما يراه الطبيب وما يعرفه من قوانين المرض، ويضيف إليه عناية تعليمية بالتصنيف والتبويب. ويشير الكتاب إلى أثر سن المريض ومزاجه في ظهور العلامات، وهو ما يفسر اختلاف الصورة بين مريضين بالمرض نفسه.

الأسلوب الفني

أسلوب الكتاب تقريري تعليمي، يعتمد الجملة المباشرة والتعريف المحدود، ويكثر فيه التعداد والتصنيف. ويستعمل المؤلف المصطلح الطبي العربي إلى جانب ما شاع من أسماء أوروبية معربة، في محاولة لتثبيت معجم عربي للطب الباطني. وتنتظم الأشكال في مواضعها من النص، فتصير جزءاً من الشرح لا زينة له، ويلاحظ في الصياغة الحرص على الاختصار، وعلى مخاطبة الطالب بلغة يفهمها من دون أن يهبط بها إلى التبسيط المخل. ويتكرر في الكتاب استعمال الأمثلة السريرية القصيرة، إذ يذكر الحالة ثم يعدد علاماتها ثم يوجه إلى ما يفرق بينها وبين ما يشبهها، وهو أسلوب يناسب التعليم العملي أكثر من الشرح النظري.

مكانة العمل وتأثيره

يعد الكتاب من المؤلفات المدرسية التي وثقت مرحلة انتقال الطب المصري إلى العربية في مطلع القرن العشرين، ويستشهد به في الدراسات التي تتناول تاريخ المصطلح الطبي العربي وتاريخ الطباعة العلمية في مصر. وقد أفاد منه طلاب المدارس الطبية في عصره، وظل مرجعاً في وصف العلامات السريرية قبل أن تتغير مناهج التعليم. وتبقى قيمته اليوم تاريخية أكثر منها عملية، إذ يحفظ صورة من طب ذلك العصر ومفرداته. ويشهد الكتاب على مرحلة كان فيها الأستاذ المصري يؤلف بالعربية في تخصصات دقيقة، بعد أن كانت الترجمة الوسيلة الغالبة إلى المعرفة الطبية الحديثة.

معلومات النشر

صدر الكتاب سنة 1906م بالمطبعة الأميرية بمصر، في 398 صفحة، وزود بمئة وسبعة وأربعين شكلاً توضيحياً. ولم تذكر صفحة العنوان طبعة سابقة له، ونص المؤلف على حفظ حقوق الطبع. وتعتمد هذه الصفحة على نسخة رقمية مصورة من الطبعة الأصلية، محفوظة في الأرشيفات الرقمية، ويجد القارئ في تاريخ الطب سياقاً أوسع لموقع الكتاب من حركة التأليف الطبي العربي الحديث. ويعد الكتاب وثيقة على نشاط المطبعة الأميرية في مجال الطب الباطني، وعلى حجم الإنتاج العلمي في تلك السنة.