دليل الحيران في معرفة أسماء الحارات والشوارع وجميع البلدان - محمد عبد السلام

“دليل الحيران في معرفة أسماء الحارات والشوارع وجميع البلدان” كتاب صغير الحجم في بابه، وضعه محمد عبد السلام، وهو من العاملين في محكمة مصر الابتدائية الأهلية، ليجمع فيه أسماء الحارات والشوارع والبلدان المتداولة في مصر، ويضيف إليه جدولاً يبين اختصاصات المحاكم الأهلية من حيث الدعوى ومن حيث تبعية المكان إليها. صدرت طبعته سنة 1321 هـ الموافقة 1903 م بمطبعة الإمام بجوار محكمة الاستئناف بمصر، فجاء جامعاً بين وظيفة الدليل الجغرافي ووظيفة المرشد الإداري والقضائي، وهو ما يفسر عنايته بتثبيت الأسماء وضبط دلالتها. ويقف القارئ منه على صورة من تنظيم المدينة في مرحلة كانت تتغير فيها أسماء الأماكن وحدودها بسرعة.

نبذة عن العمل

يقوم الكتاب على قسمين متمايزين: قسم جغرافي معجمي يعرض أسماء الحارات والشوارع والبلدان، وقسم إداري قضائي يعرض في جدول اختصاصات المحاكم الأهلية. ويستعمل المؤلف في القسم الأول صيغة الترجمة القصيرة، فيذكر الاسم ثم ما يلزم لتمييزه من نسبة أو وصف أو موضع، لأن كثيراً من الأسماء يتكرر في أكثر من مكان، فيحتاج القارئ إلى قرينة تحدده. أما الجدول فينظم المعلومات في أعمدة تسهل المراجعة السريعة، ويجمع بين نوع الدعوى والجهة التي تنظر فيها، فيصير الكتاب أداة عمل يومية لمن يتردد على المحاكم أو يتعامل مع إداراتها.

ولا يقتصر أثر هذا التقسيم على الجانب العملي، إذ يكشف عن تصور يجعل المكان وحدة إدارية قبل أن يكون اسماً على خريطة، وهو تصور كانت الدولة المصرية في تلك المرحلة تعمل به حين ربطت الاختصاص القضائي بالموقع.

نبذة عن المؤلف

لا تتوافر في المصادر المتاحة ترجمة مفصلة لمحمد عبد السلام، وإنما تدل صفحة العنوان على أنه كان يعمل بمحكمة مصر الابتدائية الأهلية، وهو موضع يكسب كتابه صفة عملية واضحة. وقد حرص المؤلف على حقوقه في الطبعة، فنص على أن حقوق الطبع والترجمة محفوظة له، وحدد ثمن النسخة بعشرين قرشاً صاغاً، وأضاف تنبيهاً إلى أن النسخة لا تعتمد إلا إذا كانت مختومة بختمه، وهو إجراء يدل على عنايته بضبط تداول الكتاب ومنع النسخ غير الموثوقة. وتظل هذه البيانات هي المعين الأول لدراسة شخصيته المهنية. ويشير موضعه الوظيفي إلى صلة مباشرة بين مهنته وتصنيف الأماكن، إذ كان التقاضي يقتضي تحديد موقع العقار أو المتهم تحديداً دقيقاً.

سياق العمل

ظهر الكتاب في مرحلة كانت القاهرة فيها تتوسع في أحيائها وشوارعها، وتتزايد فيها الحاجة إلى تسمية الأماكن تسمية دقيقة، بعد أن صارت الإدارة والتعليم والتقاضي تتطلب تحديد المواقع تحديداً لا يقبل اللبس. وكان نظام المحاكم الأهلية قائماً في مصر، وله اختصاصات مكانية وموضوعية تحتاج إلى بيان يسهل على المتقاضي معرفة المحكمة المختصة. وفي هذا السياق يفسر الجمع بين دليل الأسماء وجدول الاختصاص: فالمكان يتخطى حدود اسم في خريطة، بل هو وعاء لتبعية إدارية وقضائية تحدد مصير الدعوى ومكان نظرها.

وكانت الصحافة والمطابع في مصر تشهد نشاطاً واسعاً في مطلع القرن العشرين، فصارت الكتب العملية الصغيرة تجد طريقها إلى الموظفين والتجار وأصحاب المصالح، وهو ما يفسر خروج الكتاب في حجم يناسب الحمل والمراجعة السريعة.

الموضوعات والأفكار

يعالج الكتاب فكرة أن الاسم الجغرافي مادة تحتاج إلى توثيق، وأن تعدد الأسماء للمكان الواحد يفضي إلى اضطراب في التعامل. ويدور على محورين: محور المعرفة المكانية، ومحور التنظيم الإداري. ويظهر في ثناياه أن الجغرافيا ليست علماً بعيداً عن حياة الناس، بل هي معرفة عملية تخدم السالك والمتقاضي والموظف، وهو ما يقربه من علم الجغرافيا في معناه التطبيقي. ويضيف الجدول بعداً آخر، إذ يربط المكان بالاختصاص، فيصير الدليل وسيلة لترتيب العلاقة بين الإنسان والحدود الإدارية التي يتحرك فيها. ويؤدي ترتيب الأسماء إلى توحيد التعامل مع المكان، فيقل الالتباس بين اسمين متشابهين في حي واحد أو في حيين متجاورين.

الأسلوب الفني

يغلب على الكتاب طابع الجرد والتبويب، فالجملة عنده قصيرة، والمعنى محدود، والغاية الإجرائية ظاهرة. ويعتمد المؤلف على الترتيب والتكرار المنظم بدل الشرح المطول، ويستعمل العناوين الفرعية والجداول لتيسير المراجعة. ولا يكاد يجد القارئ عبارة إنشائية أو وصفاً مشغولاً، لأن المقصد هو الإبانة لا الإمتاع. وتظهر في الصياغة ألفاظ إدارية وقانونية دقيقة، مثل التبعية والاختصاص والدعوى، وهي ألفاظ تكشف بيئة المؤلف المهنية، وتمنح النص نبرة توثيقية تقترب من لغة السجلات الرسمية. ومع ذلك لا يخلو النص من أثر شخصي خفيف، يظهر في ترتيب بعض المداخل وفي اختيار ما يذكره وما يتركه.

مكانة العمل وتأثيره

يعد الكتاب وثيقة من وثائق التاريخ الحضري للقاهرة في مطلع القرن العشرين، إذ يحفظ أسماء شوارع وحارات وبلدان ربما تغيرت تسميتها أو اندمجت في أحياء أخرى. ويعود إليه الباحثون في تاريخ المدينة وأسمائها وحدودها الإدارية، كما يفيد منه من يدرس تاريخ القضاء في مصر واختصاصات محاكمه. وهو يختلف عن أدب الرحلات الذي يصوغ مشاهدة المكان في قالب سردي، إذ يقتصر على التسمية والتبويب، لكنه يشترك معه في حفظ صورة المكان كما رآه أهل عصره. ويستفيد منه كذلك من يدرس العلاقة بين تنظيم العمران وتنظيم الإدارة في المدينة الحديثة.

معلومات النشر

صدر الكتاب سنة 1321 هـ الموافقة 1903 م، وطُبع بمطبعة الإمام بجوار محكمة الاستئناف بمصر، ولم تذكر صفحة العنوان طبعة سابقة له. وقد حدد المؤلف ثمن النسخة بعشرين قرشاً صاغاً، ونص على حفظ حقوق الطبع والترجمة، واشترط أن تكون النسخة مختومة بختمه. وتعتمد هذه الصفحة على نسخة رقمية مصورة من الطبعة الأصلية، محفوظة في الأرشيفات الرقمية، ولا تتوافر معلومات عن ترجمات للكتاب إلى لغات أخرى، وهو أمر طبيعي في دليل محلي كهذا. ويجعله ذلك وثيقة على حال الأسماء في سنة صدوره، قبل أن تتغير التسميات في العقود التالية.