ديوان شعر النحلة المنظوم في خلال الرحلة - لويس صابونجي
ديوان شعر النحلة المنظوم في خلال الرحلة مجموع شعري ضخم يقع في 614 صفحة، للأديب والصحفي والرحالة لويس صابونجي، طبع في المطبعة التجارية بالإسكندرية سنة 1901 م بعناية الأديبة ألكسندرا أفرينوه صاحبة مجلة أنيس الجليس. يجمع قصائد نظمها المؤلف في أسفاره بين المشرق وأوروبا وأمريكا ومصر، فجمع بين وصف المدن والمخترعات والوقائع والتأملات. ويمثل الكتاب في مجموعه محاولة لتوثيق الرحلة بالشعر، تجعل السفر مادة أدبية قائمة بذاتها.
نبذة عن العمل
يقدم الديوان نفسه بوصفه سجلاً شعرياً لرحلة طويلة، إذ رتب صابونجي قصائده على ما لقيه في تنقلاته، فبدأ بوصف مدن المشرق وموانيه، ثم انتقل إلى مدن أوروبا وشوارعها ومتاحفها، وصولاً إلى مصر والإسكندرية حيث طبع الكتاب. ويظهر في الصفحات اهتمام واضح بالمخترعات الحديثة: السفن البخارية، والقطارات، والبرق، والمناطيد، فتصير هذه الأدوات موضوعاً شعرياً جديداً.
وإلى جانب الوصف تضم الصفحات قصائد في المناسبات والوقائع، ومراثي ومدائح وتأملات في الكون والإنسان، ويتخللها نثر تمهيدي يشرح مناسبة القصيدة ويحدد مكانها وزمانها. وهذه الشروح تجعل الكتاب أقرب إلى يوميات شاعر مسافر منها إلى ديوان محصور في الأغراض التقليدية المألوفة. وقد يفيد القارئ من الشروح في تتبع مسار الرحلة محطة محطة، ومن ثم في رسم خريطة لتنقلات المؤلف بين القارات.
نبذة عن المؤلف
يُعدّ لويس صابونجي من أعلام الصحافة والأدب في المشرق، ولد سنة 1838 م وتوفي سنة 1931 م، وأصدر مجلة النحلة التي صارت منبراً لكتّابه ومادة أساسية لديوانه. عاش متنقلاً بين بيروت والإسكندرية وباريس وأمريكا، فجمع في تجربته بين الكتابة والترحال والخطابة.
وقد أفاد من عمله في الصحافة في صقل لغته وتنويع موضوعاته، إذ كان يكتب للقارئ العادي فيحتاج إلى الوضوح والإقناع. ويبدو في الديوان أثر هذا التدريب واضحاً: قصائد تحمل خبراً وتفسيراً، وتتوجه إلى جمهور واسع، وتحرص على أن يفهم القارئ الحدث الذي نظمت فيه. وقد بقيت مجلته مرجعاً لدارسي الصحافة العربية في المشرق والمهجر على السواء.
سياق العمل
صدر الديوان في ذروة ما يعرف بمرحلة النهضة العربية، حين اتسعت الطباعة والصحافة، وتعددت الجمعيات العلمية، وشاع السفر إلى أوروبا وأمريكا طلباً للتجارة أو التعليم أو التمثيل في المعارض الدولية. وكانت هذه الرحلات تنتج أدباً جديداً يقوم على المشاهدة والتسجيل. وكانت المعارض الدولية في تلك الفترة مقصداً للمثقفين العرب، يزورونها بوصفها مختبراً لمشاهدة التقدم الصناعي.
ويمثل الديوان هذا التحول في بنية القصيدة وموضوعها، إذ انتقل الشعر من الإطار المحلي الضيق إلى أفق إنساني أوسع، يصاحبه فضول معرفي تجاه الصناعة والمدينة الحديثة. وقد أهدى صابونجي كتابه إلى قراء مجلته، فجاء أشبه بامتداد صحافي مصوغ في الشعر، يحمل أخبار البلاد إلى من لم يسافر.
الموضوعات والأفكار
تدور موضوعات الديوان حول السفر والمشاهدة، ووصف المدن والمخترعات، والمقارنة بين أحوال الشرق والغرب في العمران والتعليم والصناعة، مع اعتزاز باللغة والهوية. ويحضر التأمل الإنساني في مصير الأمم وتقلب الدول، وتظهر الدعوة إلى العلم والانضباط والعمل بوصفها شروطاً للنهوض.
وتتكرر في القصائد مشاهد الأسفار: الميناء، والباخرة، والقطار، والفندق، والمعرض، فيتكون من هذه المشاهد معجم شعري جديد يصف ما لم تعرفه القصيدة القديمة. ويضاف إلى ذلك شعر المناسبات الاجتماعية والمراثي، فيقترب الديوان من سجل حياة كامل أكثر من اقترابه من مجموعة شعرية محدودة الغرض. ويقف الشاعر عند أثر الآلة في حياة الناس، فيسأل عن مصير الحرف القديمة وأحوال العاملين، وهو سؤال جديد على القصيدة العربية.
الأسلوب الفني
يعتمد الديوان الأوزان الخليلية والقافية الموحدة، ويميل إلى اللغة السهلة القريبة من لغة الصحافة، ويحرص على ترتيب الأفكار ووضوح الانتقال بينها. وتغلب على النصوص نزعة تعليمية وصفية، فالقصيدة عنده تقوم على المشاهدة والتقرير أكثر من قيامها على الغموض والإيحاء.
ويستخدم الشاعر التشبيه والمجاز في وصف الآلات والمدن، فيقارب بين الجديد والمألوف لتقريبه إلى القارئ، ويوظف التفصيل الرقمي والأسماء والمواضع داخل الوزن. وقد يطول النص حتى يقترب من القصيدة الطويلة ذات المقاطع، وهو ما يناسب طبيعة الرحلة التي تتعدد محطاتها. ومع ذلك يحتفظ النص ببنية القصيدة العمودية في معظمه، فلا يخرج على عمود الشعر إلا في تنسيق الموضوع.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الديوان من أوثق مصادر أدب الرحلة المنظوم في النهضة العربية، لأنه يجمع الوصف الشعري بالخبر الصحافي، ويقدم مادة غنية لدارسي تاريخ المدن والمخترعات في وعي المثقف العربي. وقد أفاد منه الباحثون في الصحافة والتاريخ الاجتماعي أكثر مما أفاد منه دارسو الشعر الخالص. وقد تنبه الدارسون إلى قيمته في دراسة صورة الغرب في الوجدان العربي.
ويظل لصابونجي موقع مزدوج: صحفي صنع مجلة، وشاعر صنع ديواناً على صورة الرحلة. ويقدر الباحثون هذا الموقع بوصفه حلقة في تحول القصيدة إلى خطاب عمومي، مع ملاحظة ما في النصوص من استطالة وتكرار، وهي سمات ترتبط بطبيعة النشر الصحافي والتجميع لا بالصنعة وحدها.
معلومات النشر
طُبع الديوان في المطبعة التجارية بالإسكندرية سنة 1901 م الموافقة 1319 هـ، وجاء في 614 صفحة، بعناية الأديبة ألكسندرا أفرينوه صاحبة مجلة أنيس الجليس. وتشير ديباجته إلى عناية الناشرة بجمع النصوص وترتيبها، وهي سمة من سمات التعاون الأدبي في تلك المرحلة.
ويظهر في بعض النسخ تصحيح وتذييل، ما يدل على متابعة المؤلف لطبعه ومراجعته. ويعود حجم الكتاب الكبير إلى ضم قصائد الرحلة كلها مع شروحها، فصار مرجعاً لمن يبحث في أدب السفر العربي في مطلع القرن العشرين، وفي علاقة الصحافة بالشعر في تلك الحقبة.
