ديوان لغات الترك - محمود الكاشغري

ديوان لغات الترك معجم كبير وضعه محمود بن الحسين الكاشغري في القرن الخامس الهجري، وجمع فيه ألفاظ القبائل التركية وشرحها بالعربية. ألّفه في بغداد وأتمّه سنة 1074 م، وأهداه إلى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله. وتضم هذه النسخة طبعة الدولة العثمانية التي صدرت سنة 1333 هـ الموافقة 1915 م، وهي الطبعة التي أتاحت الكتاب للباحثين في العصر الحديث. ويعد الكتاب من أوسع ما وصلنا من المعاجم التركية في العصر الوسيط. ويقف القارئ فيه على طبقات المفردات التي كانت متداولة بين القبائل، وعلى صورة من حياة الترك في القرن الخامس الهجري.

نبذة عن العمل

يضم الديوان مادة واسعة من ألفاظ التركمان والأغوز والقبائل الأخرى، مرتبة على أبواب تتصل ببنية الكلمة ومخرجها. ويشرح المؤلف كل لفظ بالعربية، ثم يذكر تصريفه واستعماله، ويستشهد عليه بأبيات شعرية وأمثال دارجة. ويذكر المؤلف في أثناء الشرح ما يقابل اللفظ التركي في الفارسية أحياناً، فيضيء الصلات بين اللسانين في تلك المرحلة.

ولا يقتصر الكتاب على المعجم، بل يضم ملاحظات في النحو والصوت، وإشارات إلى عادات القبائل ومواضعها، وخريطة ترسم بلاد الترك وما حولها. ولهذا يُقرأ اليوم بوصفه وثيقة لغوية وأنثروبولوجية في وقت واحد. وتحفظ الخريطة أسماء مدن وأنهار وبحار كانت معروفة في تلك البلاد.

نبذة عن المؤلف

محمود بن الحسين الكاشغري عالم لغوي من بلاد ما وراء النهر، نشأ في بيئة تركية إسلامية، ورحل بين قبائل الترك يلاحظ ألسنتها ويجمع مفرداتها. توفي سنة 1102 م، وقد ظل خبره قليلاً حتى كشفت نسخة كتابه في العصر الحديث. ويفصح في مقدمته عن سبب تأليفه، وعن طول رحلته بين القبائل، وعن اللغة التي كتب بها.

ويبدو من مقدمته أنه كتب لخدمة العربية والقارئ العربي، إذ أراد أن يعرّف العرب بألسنة الترك بعد اتساع سلطانهم. وهذه الغاية تجعل الكتاب عملاً في التواصل بين اللغات لا في التوثيق المجرد فقط. وقد وصف في مقدمته مكانة العربية بوصفها لغة العلم والديوان، وأشاد بمن سبقه من العلماء.

سياق العمل

ظهر الكتاب في قرن شهد توسع السلاجقة في المشرق واتصالهم بالخلافة العباسية، فصارت الحاجة إلى معرفة ألسنة الترك ماسة في الإدارة والجيش والتجارة. وكانت بغداد مركزاً للعلم والترجمة، وفيها اجتمع العلماء من أقطار مختلفة. وكانت العربية لغة الكتابة الرسمية والعلمية في معظم أنحاء المشرق، في حين كانت ألسنة الترك لغة الجيش والبلاط السلجوقي.

ويذكر المؤلف أنه صنع كتابه لتكون العربية سابقة في التعليم، ولينتفع به من أراد تعلم لسان الترك. ويتصل هذا بسياسة ثقافية أوسع شهدها العصر، وهي استيعاب الشعوب الداخلة في الدولة في لغة العلم والدين. وهذا الاختيار يعكس موقع العربية في ثقافة العصر، حيث كانت لغة التدوين لا لغة المخاطبة اليومية في تلك البلاد.

الموضوعات والأفكار

يتناول الديوان ألفاظ الحياة اليومية والسلاح والطعام والزراعة والحيوان، ويضم مصطلحات الإدارة والدين والفلك. ويعرض في ثناياه أمثالاً وحكماً وأشعاراً تمثل ذائقة القبائل ومخزونها الشفهي. ويضم كذلك ألفاظاً في أسماء النجوم والرياح والأمطار، وهي مادة تعكس حياة القبائل واقتصادها.

ويعنى الكتاب بالفروق بين لهجات القبائل، فيسجل الاختلاف في اللفظ والمعنى، ويشير إلى ما دخل اللسان من لغات مجاورة. وهذا الوعي بالتنوع اللغوي يجعله مقدمة مبكرة للدرس اللهجي والمقارن. ويُستدل بمواده على مواضع القبائل ومسالكها، فيصلح لأن يكون مصدراً في الجغرافيا التاريخية لآسيا الوسطى. ويُستفاد من هذه المادة في دراسة أسماء النباتات والحيوانات في تلك البيئة.

الأسلوب الفني

يقسم المؤلف كتابه على أبواب وفصول، ويبدأ بشرح بنية الكلمة، ثم يثني بالألفاظ على ترتيب خاص ابتكره. ويستعمل الإحالة إلى أبواب أخرى، ويكثر من الشواهد الشعرية والأمثال، ويشرح الغامض منها. ويخصص لكل باب مقدمة قصيرة يبين فيها منهجه في جمع المادة وترتيبها.

ولغته عربية فصيحة موجهة إلى القارئ المتعلم، وفيها دقة في وصف الأصوات وبيان مخارجها. ويظهر في الكتاب المنهج المعجمي الذي يجمع بين الوصف اللغوي والملاحظة الميدانية، وهو ما يمنحه قيمته التوثيقية. ويستعمل المصطلح النحوي العربي في وصف الألسنة التركية، فينقل إلى العربية أدوات التحليل التي تعلمها في مدارس بغداد.

مكانة العمل وتأثيره

ظل الكتاب مجهولاً قروناً، ثم عُثر على نسخته في إستانبول في مطلع القرن العشرين، فأصبح بعد نشره أساساً للدراسات التركية والمقارنة. وتُعدّ نسخته الفريدة من أهم الوثائق اللغوية في تاريخ الشعوب التركية. وقد تولى علماء عثمانيون نشر النص بعد العثور عليه، فظهرت طبعته الأولى في السنوات الأخيرة من الدولة العثمانية.

وقد اعتمد عليه الباحثون في تاريخ الأدب الشعبي التركي، وفي دراسة الأمثال والأشعار القديمة، وفي رسم الخرائط التاريخية لمواضع القبائل. كما أنه مصدر أساسي للباحثين في العلاقة بين العربية والتركية في العصر الوسيط. ويعد الكتاب اليوم أساساً في المعجم التاريخي للغات التركية، وفي رسم حدودها اللهجية.

معلومات النشر

صدرت هذه الطبعة في إستانبول سنة 1333 هـ الموافقة 1915 م، وأتاحت الكتاب للباحثين بعد قرون من الغياب. وقد جاءت في مجلدات، ولم تذكر بيانات النسخة عدد الصفحات، وهو أمر شائع في الطبعات العثمانية. وتشير بيانات الطبعة إلى أنها صدرت في مطبعة رسمية، وأنها اعتمدت على النسخة المحفوظة في إستانبول.

ويتاح الكتاب في نسخة رقمية مصورة، ويمكن الرجوع إلى صفحة ديوان لغات الترك في الموسوعة الحرة لمعرفة تاريخ النسخة وطبعاتها، وإلى صفحة محمود الكاشغري لتفاصيل سيرته. وللكتاب فهارس تعين الباحث على تتبع الألفاظ والمواضع. وتعد هذه الطبعة الأساس الذي اعتمدت عليه الطبعات اللاحقة في تركيا وأوروبا.