ديوان نقولا نقاش - نقولا نقاش

ديوان نقولا نقاش مجموعة شعرية طبعها صاحبها على نفقته في المطبعة الأدبية ببيروت سنة 1879 م، وتقع في 126 صفحة. يضم قصائد نظمها الأديب اللبناني في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وفي التأريخ الشعري والمدح والرثاء والحكمة، فتظهر فيه ملامح انتقال القصيدة العربية في بلاد الشام من أغراضها التقليدية إلى موضوعات عصر النهضة ومشاغله. ويأتي هذا الديوان في وقت كانت بيروت تعيد ترتيب علاقتها بتراثها، فيجتمع فيه القديم والجديد على نحو يكشف عن ذائقة مرحلة انتقالية.

نبذة عن العمل

يجمع الديوان قصائد متفرقة في أغراض متنوعة، يتصدرها الشعر الوطني والاجتماعي الذي ينشغل بأحوال البلاد وأهلها، ثم تأتي قصائد التأريخ الشعري التي يسجل فيها الشاعر وقائع ومناسبات ويضبط تواريخها بأبيات تحفظ الحدث. وإلى جانب ذلك تضم الصفحات مدائح ومراثي وحكماً منظومة، فتتشكل من مجموعها صورة لشاعر يمزج صناعة القصيد القديمة بهموم عصره. ولا يلتزم الديوان ترتيباً أبوابياً صارماً، بل تتتابع القصائد على نحو يعكس تعاقب المناسبات في حياة صاحبها.

وتكشف القصائد عن شبكة علاقات الشاعر بأعيان بيروت وعلمائها، إذ يوجه المدح والتهنئة والتعزية إلى أسماء معروفة في محيطه، ويصف مجالس الأدب ومظاهر العمران. ويقف القارئ على نصوص قصيرة وأخرى مطولة، وعلى مقدمات تتنوع بين الحكمة والنسيب، فتمنح الديوان قيمة توثيقية إلى جانب قيمته الفنية. ومن هنا يصلح مرجعاً لأسماء الأعلام والمواضع التي شكلت خريطة الحياة الاجتماعية في بيروت في تلك الحقبة.

نبذة عن المؤلف

يُعدّ نقولا النقاش من أدباء لبنان الذين جمعوا بين الشعر والقانون والصحافة، وقد ولد سنة 1825 م وتوفي سنة 1894 م. نشأ في بيت عني باللغة والأدب، واتصل بأعلام النهضة في بيروت، وشارك في حركة التأليف والنشر التي ازدهرت في المدينة.

وهو شقيق مارون النقاش رائد المسرح العربي، وقد ظل هذا البيت الأدبي محطّ عناية الدارسين بوصفه من منابع التجديد في المشرق. ويظهر في شعره اشتغال على اللغة وحرص على متانة السبك، مع انفتاح على معاني المدنية والوطن، ونبرة خطابية تخاطب الجماعة. وقد عرف بين معاصريه بغزارة النظم وسرعة البديهة في المناسبات، وهي صفات تفسر حجم الديوان وتنوع أغراضه.

سياق العمل

صدر الديوان في مرحلة شهدت بيروت تحولات واسعة: توسع الطباعة، وانتشار الصحف، ونشوء مدارس وجمعيات أدبية، واتصال مباشر بأوروبا عبر التجارة والبعثات. وفي هذا المناخ بدأ الشعراء يتناولون موضوعات جديدة، من وصف المدن والمخترعات إلى الحديث عن الحرية والوطن والتعليم، مع محاولة تجديد الصور والأخيلة.

ويُقرأ الديوان في هذا السياق بوصفه وثيقة على انتقال القصيدة من مجالس المدح والمناسبات الخاصة إلى فضاء عام يتشكل فيه الرأي والانتماء. وقد طبع المؤلف ديوانه على نفقته، وهي سمة من سمات عصر صار فيه المؤلف ناشره، وتدل على ثقة الطبقة المتعلمة الجديدة بأدواتها في الوصول إلى القارئ. وهكذا صار الكتاب سلعة ثقافية جديدة، يشتريها القارئ في المطابع والمكتبات، لا في مجالس الخاصة فقط.

الموضوعات والأفكار

تنتظم في الديوان موضوعات عدة: الوطن وأحوال أهله، والتأريخ الشعري للوقائع، والمدح والرثاء، والحكمة والموعظة. ويحضر الحديث عن العلم والمدنية بوصفهما سبيل نهضة، مع اعتزاز باللغة العربية وتراثها، فيبدو الشاعر حريصاً على الجمع بين الانتماء والانفتاح على معارف العصر. ويقترن ذلك بحرص على تثبيت القيم الأخلاقية في وجه ما يراه تفككاً في الأجيال الجديدة.

وتظهر في النصوص نظرة إلى الزمن وتقلباته، وتأمل في الأحوال الاجتماعية، ورغبة في الإصلاح. وقد عني الشاعر بالمناسبات العامة، فجعل قصيدته سجلاً للحدث ومقالاً في الرأي، فتقاربت وظيفة الشعر مع وظيفة الصحافة في تلك المرحلة، وتداخل فيه الإخبار والتوجيه والوصف.

الأسلوب الفني

يسير الديوان على الأوزان الخليلية والقافية الموحدة في معظم القصائد، ويميل إلى الجزالة ووضوح المعنى، مع اعتماد على البديع في التضمين والمقابلة وحسن التقسيم. وتتسم لغته بالمتانة والخلو من الغموض، وتتوالى أبياته في نسق منطقي يخدم الموضوع الذي يعالجه.

وتحضر الصورة الشعرية في خدمة الفكرة أكثر من خدمة الخيال، فيغلب على النصوص الطابع الخطابي والحكمي. ويستعمل الشاعر التشخيص والمجاز في وصف المدن والمجالس، ويوظف الأعلام والتواريخ داخل الوزن، وهي سمة من سمات الشعر التاريخي تحتاج إلى صنعة عالية لضبط الأرقام والأسماء. وقد يلجأ إلى التضمين والتلميح إلى الآيات والأمثال، فيضيف إلى النص بعداً ثقافياً يحتاج إلى قارئ متمكن.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الديوان مادة أساسية لدراسة شعر النهضة في بيروت، ولتتبع تحولات الأغراض الشعرية في منتصف القرن التاسع عشر. وقد حفظ قصائد مناسباتية كثيرة كانت تعيش في المجالس والصحف ثم تضيع، فجاء طبعها في مجلد جامع بوصفه خطوة في حفظ الذاكرة الأدبية للبلاد. كما يعين على متابعة صلة الشعر بالصحافة في المرحلة نفسها.

ويُنظر إلى أسرة النقاش بوصفها من بيوت الريادة في المسرح والصحافة، ويأخذ الديوان موقعه داخل هذا التقليد شاهدا على مرحلة تكوين، لا بوصفه عملاً مؤسساً لتيار مستقل. وقد أفاد منه الباحثون في تاريخ الصحافة والأدب، وفي توثيق أسماء الأعلام والمواضع والوقائع الاجتماعية.

معلومات النشر

طُبع الديوان في المطبعة الأدبية ببيروت سنة 1879 م الموافقة 1296 هـ، على نفقة المؤلف، وجاء في 126 صفحة. وتشير بيانات الطبعة إلى أنها من مطبوعات النهضة المبكرة، وأنها صدرت في حياة المؤلف، ما يجعل النص أقرب إلى إرادته الأخيرة.

ويتيح الديوان للقارئ اليوم الاطلاع على نص شعري كامل من تلك المرحلة، مع ما يحمله من اختلافات إملائية وطباعية في بعض الأحرف، وهي اختلافات ترجع إلى أدوات الطباعة ومصادر النسخ في ذلك العهد، ولا تنقص من قيمة المادة، بل تضيف إلى فهم ظروف النشر وتداول الكتاب.