رسالة ناصيف اليازجي إلى البارون سلفستر دي ساسي - ناصيف اليازجي

«رسالة ناصيف اليازجي إلى البارون سلفستر دي ساسي» كتاب في تحقيق النصوص ومراجعة الأعمال العلمية، صدر سنة 1848 م ويقع في مئة وإحدى وتسعين صفحة. يتناول ما وقع في رواية متن المقامات الحريرية وتحرير شرحها من خلل، ويتتبع مواضعه في الضبط واللغة، ويقيمها على قواعد العربية. وهو نموذج مبكر لجدل علمي عربي مع الاستشراق، جرى بطريقة مهذبة ومنظمة. ويتصل موضوعه بعلم تحقيق النصوص، وهو علم كان يتشكل في أوروبا ومصر في القرن التاسع عشر. وهو حجم يوحي بأن الرسالة ليست ورقة قصيرة، بل عمل مستقل يعرض المسائل ويستقصي شواهدها.

نبذة عن العمل

الرسالة عمل في تحقيق النصوص، وجّهه ناصيف اليازجي إلى البارون سلفستر دي ساسي، يتدارك فيه ما وقع في رواية متن المقامات الحريرية وتحرير شرحها. ويتتبع مواضع الخلل في الضبط والرواية والشرح، ويقيمها على قواعد النحو واللغة، ويستشهد لها بكلام العرب. ويُفهم من عنوانها أنها مراجعة علمية موجهة إلى عمل مستشرق كبير، لا رسالة شخصية عابرة.

ويقوم منهج الرسالة على المقابلة بين النص كما رواه الرواة وكما أثبته المحقق، ثم على ترجيح رواية على أخرى بالشاهد والقاعدة. وهذا المنهج، وإن كان في أصله دفاعاً عن نص عربي، فإنه يضع قواعد للتعامل مع المخطوط والشرح، ويُظهر وعياً مبكراً بأن تحقيق النص عمل تراكمي يحتاج إلى صبر وأمانة.

نبذة عن المؤلف

ناصيف اليازجي شاعر ونحوي لبناني، ولد سنة 1800 م وتوفي سنة 1871 م، ويُعدّ من أعلام النهضة الأدبية في المشرق العربي. عمل في خدمة الأمير بشير الشهابي، ثم اشتغل بالتعليم والتأليف، وشارك في ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية، وله مؤلفات في النحو والصرف والعروض واللغة.

وقد عُرف بدقته في اللغة وقدرته على النظم، وبمجالس الدرس التي كانت تعقد في بيته ببيروت. وتُظهر رسالته هذه جانباً آخر من عمله، هو الجانب النقدي الذي يواجه نصاً محققاً في أوروبا ويقيسه بمقياس العربية، وهو ما يدل على اطلاعه على ما كان يجري في الدراسات العربية خارج بلاده.

سياق العمل

صدرت الرسالة سنة 1848 م، وكان دي ساسي قد توفي سنة 1838 م، فجاء النص بعد رحيله، وهو أقرب إلى مراجعة علمية مفتوحة ينتفع بها من يشتغل بالمقامات بعده. وقد كان دي ساسي من أبرز المستشرقين في عصره، نشر متن المقامات مع شرح وترجمة، فصار عمله مرجعاً لمن جاء بعده في أوروبا ومصر والشام.

وكانت المطابع في بيروت ومصر قد بدأت تنشر الكتب العربية، وتتصل بالدوريات العلمية في أوروبا، فتهيأ مناخ لجدل علمي بين الباحثين العرب والمستشرقين. وفي هذا المناخ كُتبت الرسالة، وهي تشير إلى أن التواصل العلمي كان قائماً، وأن النقد كان ممكناً من الطرف العربي حين تتوفر الأدوات. ويُفهم من ذلك أن الرسالة لم تكن معركة شخصية، بل حلقة في سلسلة مراجعات كان يتبادلها العلماء على جانبي البحر المتوسط.

الموضوعات والأفكار

تتوزع موضوعات الرسالة على ضبط النص وروايته، وشرح المفردات والتراكيب، والاستشهاد بالشعر، وترجيح القراءات. ويتصل بها سؤال الأمانة في النقل، إذ يرى اليازجي أن المحقق يجب أن يفرق بين ما رواه الثقات وما أضافه الشارحون. ويُضاف إلى ذلك سؤال المنهج: كيف يُقوَّم عمل كبير من دون تهويل ولا تهوين، ومن دون مجاملة.

ويتصل بذلك سؤال العلاقة بين الرواية والدراية، أي بين ما ثبت بالنقل وما اقتضاه النظر. فاليازجي لا يكتفي بأن يقول إن الرواية خطأ، بل يبين وجه الصواب في اللغة، ثم يذكر الشاهد الذي يؤيده، وهو منهج يقوم على الحجة لا على الدعوى.

الأسلوب الفني

أسلوب الرسالة علمي مهذب، يقوم على العرض ثم المناقشة ثم الترجيح، ويستعمل لغة النحو الدقيقة، ويستشهد بالشواهد المنظومة والمنثورة. ويكثر فيه التمثيل بالمقامات نفسها، فتصبح الرسالة شرحاً غير مباشر لأساليب الحريري. ويُلاحظ فيه حرص على تسمية الموضع أو المقامة، وهو ما يجعل المراجعة قابلة للتتبع. ويقتصر على ما يخدم المسألة، فلا يستطرد في أخبار أو مناقشات جانبية.

ويستعمل المؤلف مصطلحات النحو العربي في وصف الخلل وتصنيفه، فيتحدث عن الضبط والبناء والإعراب والرواية، ويجعل من قواعد اللغة ميزاناً يُعرض عليه النص المحقق. وهذا الربط بين النحو والتحقيق هو ما يمنح الرسالة طابعها العلمي.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ النص وثيقة من وثائق النقد اللغوي العربي في القرن التاسع عشر، وشاهداً على حوار علمي بين باحث عربي ومستشرق أوروبي. ويفيد في تاريخ تحقيق التراث، وفي دراسة علاقة النهضة العربية بالاستشراق، كما يفيد في معرفة تاريخ طبع المقامات وشرحها. وتبقى قيمته في منهجه أكثر من قيمته في نتائجه التفصيلية. كما يُقرأ اليوم في سياق تاريخ العلاقة بين المشرق العربي وأوروبا في القرن التاسع عشر، وهي علاقة قامت على الترجمة والتحقيق والجدل العلمي.

ويستطيع القارئ اليوم أن يرى فيه بداية لمسار طويل من المراجعة النقدية التي مارسها علماء العربية على أعمال المستشرقين، وهو مسار لم يكن قطيعة، بل حواراً فيه إقرار بالفضل ونقد للخطأ في الوقت نفسه.

معلومات النشر

طُبعت الرسالة سنة 1848 م، وتقع في مئة وإحدى وتسعين صفحة، وتحمل على صفحة عنوانها اسم الشيخ ناصيف اليازجي البيروتي، ومن توجه إليه الرسالة. ولا تحدد الطبعة سنة تحرير النص، وإنما سنة طبعه، وهو فرق مهم لمن يدرس تطور الأفكار. وتُحفظ منها نسخة رقمية مصورة أتيحت للباحثين، وهي أساس هذه القراءة.

ويُرجّح أن يكون النص قد كُتب في الأصل رداً على طبعة سابقة، ثم أُفرد بالطبع بعد وفاة صاحبه، وهو ما يفسر مخاطبته لشخص لم يكن حياً عند الطبع. ولا تتضمن الطبعة مقدمة طويلة تشرح ملابسات التأليف، وهو ما يترك بعض الأسئلة مفتوحة أمام الباحث.