سياحة اثنين وثلاثين يوماً في حمص وبعلبك ودمشق وبيروت - محمد كامل البحيري

كتاب «سياحة اثنين وثلاثين يوماً في حمص وبعلبك ودمشق وبيروت» رحلة دوّنها محمد كامل البحيري في خريف سنة 1902 م، إذ بدأ سفره في السادس عشر من أيلول وانتهى في السابع عشر من تشرين الأول، فجاءت المدة اثنين وثلاثين يوماً. صدر الكتاب في طرابلس الشام سنة 1320 هـ الموافقة 1902 م، ويقف القارئ فيه على وصف الطرق والمنازل والعمران والأسواق وأحوال الناس، وعلى انطباعات صحفي يرصد بلاداً تتغير بفعل الإدارة العثمانية وامتداد خطوط السكة الحديدية. ويُقرأ اليوم بوصفه شهادة على مدن عربية في لحظة تحول، لا دليلاً سياحياً.

نبذة عن العمل

يجري الكتاب على ترتيب زمني يوماً بعد يوم، فيبدأ من حمص حيث يقف عند شوارعها وأسواقها وجامعها الكبير وأحيائها القديمة، ثم ينتقل إلى بعلبك فيصف قلعتها وأعمدتها وحجارتها المتراكمة وبساتينها، ويحل بدمشق فيطيل الوقوف عند الغوطة وبردى والمسجد الأموي والأسواق المسقوفة، وينتهي إلى بيروت فيصف مرفأها ومراكبها وعمارتها الحديثة. ويحرص على إثبات أسماء من لقيهم من الأعيان والموظفين والصحفيين، وعلى تسجيل المسافات بين المحطات ووسائل الانتقال.

ويتكرر في الكتاب الاهتمام بالمقارنة بين المدن، فيقيس المؤلف حال كل مدينة بما قبلها من حيث نظافة الشوارع وكثافة العمران ونشاط الأسواق، ويستخلص من ذلك أحكاماً عامة على أحوال البلاد. ويشفع الوصف بملاحظات عن الأسعار وأثمان النقل والطعام، وهي مادة تفيد في تصوير الحياة اليومية في تلك السنوات أكثر مما تفيد في رسم صورة سياسية شاملة.

نبذة عن المؤلف

محمد كامل البحيري صحفي من طرابلس الشام، تولى إدارة جريدة «طرابلس» في مطلع القرن العشرين، وهي صحيفة محلية عنيت بأخبار المدينة وشؤون الولاية. عرّفه غلاف الكتاب بأنه مدير الجريدة، وهو التعريف الوحيد الذي تحفظه النسخة، ولم تُسعف المصادر المتاحة بتفاصيل موسعة عن مولده وشيوخه وسنة وفاته. ويظهر من كتابه أنه كان متابعاً للشأن العام، عارفاً بأسماء الدوائر والمصالح، حريصاً على لقاء المسؤولين، متمكناً من وصف العمران وقراءة الآثار. وقد جمع بين عمل الصحفي وعمل الزائر، فكان يسأل عن الأرقام والمواعيد بقدر ما يتأمل في الحجر والبناء.

سياق العمل

صدر الكتاب سنة 1320 هـ الموافقة 1902 م، في مرحلة كانت فيها بلاد الشام ولايات عثمانية تشهد تحولاً مادياً سريعاً. فقد ربط خط سكة الحديد بيروت بدمشق في تسعينيات القرن التاسع عشر، وامتد العمل به نحو الداخل، فاختصرت المسافات وغيّرت أنماط السفر والتجارة. وعرفت طرابلس الشام في تلك السنوات نشاطاً صحفياً ملحوظاً، وانتشرت في مدن الساحل مطابع وجرائد محلية. وفي هذا المناخ خرج الكتاب من مطبعة البلاغة، حاملاً أثر البيئة الصحفية التي نشأ فيها صاحبه.

وكانت الطرق بين المدن السورية في تلك السنوات خليطاً من خطوط حديدية وطرق ترابية، تختلف فيها وسائل النقل بين القطار والعربة والدابة. ويصف المؤلف ما لقيه في المنازل والخانات من خدمات، وما لاحظه من تفاوت بين مدينة وأخرى في النظافة والتنظيم، وهو تفاوت يعكس اختلاف الإدارة المحلية وموارد كل بلدة أكثر مما يعكس اختلاف السكان.

الموضوعات والأفكار

يتوزع اهتمام الكتاب على موضوعات عدة، أبرزها العمران والآثار، إذ يتوقف عند القلاع والمعابد والأعمدة والكتابات القديمة، ثم الإدارة، إذ يصف الدوائر الحكومية والمجالس والمدارس، ثم الاقتصاد، إذ يسجل الأسواق والصناعات والحرف وأسعار بعض السلع. ويعنى بأحوال الطرق والمياه والصحة، فيذكر حالة الشوارع والحمامات العامة والينابيع. ويقف القارئ أمام صورة لبلاد تتداخل فيها طبقات تاريخية كثيرة، بين آثار رومانية وعمارة إسلامية ومؤسسات عثمانية حديثة، ويمكن قراءة هذه الصفحات في إطار علم الجغرافيا الوصفي.

ويتكرر في الكتاب الاهتمام بأحوال السكان وأعرافهم، فيصف المؤلف عادات الضيافة وأسواق الطعام والملابس، ويقف عند أثر الإدارة في حياة الناس اليومية: الضرائب، والخدمة العسكرية، وأعمال الترميم. ويبدو أثر الصحفي واضحاً في حرصه على تسجيل ما يصلح للخبر، كأرقام الإنتاج وأسماء المسؤولين ومواعيد افتتاح المشروعات، وهو ما يجعل الكتاب قريباً من التقرير الإخباري المطوّل.

الأسلوب الفني

الأسلوب صحفي في جوهره، يعتمد الجملة القصيرة والخبر المباشر، ويستعمل ضمير المتكلم في سرد التنقلات، ويميل إلى التعداد حين يعرض ما رآه. ويُدخل الحوار القصير في بعض المواضع، فينقل كلام من لقيهم من الموظفين والأعيان. ويعنى بالتفاصيل المادية: أسماء المحلات، وأرقام المسافات، وأوصاف الأبنية، وعدد السكان حين يتوفر لديه خبر به. ويقترب بهذا من أدب الرحلات العربي الحديث، مع فارق يخصه، وهو أن الرحلة هنا عمل صحفي يخدم قراء جريدة قبل أن يخدم متعة الحكاية. والفقرات الطويلة قليلة فيه، لأن الصحفي يكتب لقارئ مستعجل.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب وثيقة من وثائق التأريخ المحلي لمدن الداخل السوري في مطلع القرن العشرين، إذ يحفظ أوصافاً لمعالم وأسواق وشوارع تغير كثير منها بعد ذلك. ويفيد الباحث في تاريخ الصحافة الشامية، لأنه يكشف صلة الصحفي بالمدن التي يزورها واهتمام الجرائد المحلية بأخبار الولايات. كما يقع في سياق رحلات الصحفيين والكتّاب التي عرفت في تلك المرحلة، والتي كانت تجمع بين النشر والتجارة والاستطلاع، وتبقى مادته اليوم مرجعاً لمن يدرس التحول العمراني في تلك المدن.

ويستفيد من الكتاب أيضاً من يدرس تاريخ السكة الحديدية في المنطقة، إذ يذكر محطاتها ومرافقها وأثرها في نقل الناس والبضائع. أما حدوده فينبغي أن تُلحظ: فالمؤلف يكتب بوصفه زائراً لا مقيماً، فوصفه يقوم على المشاهدة السريعة والانطباع، ويقلّ فيه التحقيق والإحصاء الدقيق. ومع ذلك، فإن اجتماع هذه اليوميات في كتاب يمنحها قيمة لا تُقارن بالخبر المفرد في جريدة.

معلومات النشر

طُبع الكتاب بمطبعة البلاغة في طرابلس الشام سنة 1320 هـ الموافقة 1902 م، ويقع في أربع وتسعين صفحة. ولا تحمل بياناته اسم ناشر مستقل، إذ تتولى المطبعة الطبع والنشر معاً، وهو الشائع في مطبوعات تلك المرحلة. ويحمل الغلاف عنوان الرحلة كاملاً، واسم المؤلف وصفته مديراً لجريدة طرابلس، وتاريخ الطبع بالهجري والميلادي. وتُحفظ من الكتاب نسخة رقمية مصورة في أحد الأرشيفات، أتيحت للباحثين، وهي أساس هذه القراءة. ويطابق تاريخ الطبع الهجري ما ذُكر في المقدمة من تاريخ الرحلة.