فريدة المغرب - جرجس زوين

فريدة المغرب عمل روائي صدر في بيروت سنة 1874 م بمطبعة الآباء المرسلين اليسوعيين، ووضعه المعلم جرجس زوين الفتوحي الماروني، تلميذ مدرسة غزير، ناقلاً إياه عن رواة المغرب. وتفتتح الحكاية بمشهد سفينة تشق المياه في خليج جنوة سنة 1212 م، فتضع القارئ في فضاء بحري يربط المغرب بأوروبا، وتتابع أحداثاً تقوم على الرحيل والاختبار واللقاء بين بيئتين مختلفتين. ويقف القارئ فيه على نموذج مبكر من السرد العربي المطبوع في عصر النهضة. وتحفظ الطبعة صورة من ذائقة القراء في بيروت في تلك السنة، ومن اهتمام المطابع اليسوعية بالأدب العربي.

نبذة عن العمل

الكتاب حكاية نثرية طويلة تتخذ من البحر والمغرب مسرحاً لأحداثها، وتتبع مصائر أشخاص تفرقهم الأسفار وتجمعهم المصادفات. ويستعمل المؤلف الإطار التاريخي الذي يحدده في مطلع النص، ثم يبني عليه سلسلة من الوقائع التي تختبر أخلاق الشخصيات وتكشف عن أصولهم وعلاقاتهم.

ويقدّم النص نفسه بوصفه رواية منقولة عن رواة المغرب، وهو تقليد سردي يمنح الحكاية سنداً شبيهاً بسند الحديث، ويضعها في سلسلة النقل الشفوي. وهذا الإطار يوضح أن المؤلف كان يكتب لحكاية تُروى وتُسمع، لا لرواية تُقرأ في صمت فحسب. ويتضح من تقسيم النص أنه بُني على فصول تتابع الأحداث في مسار واحد، لا على حكايات متفرقة.

نبذة عن المؤلف

جرجس زوين الفتوحي الماروني معلم من معلمي مدرسة غزير في لبنان، وهي مدرسة عُرفت في القرن التاسع عشر باهتمامها باللغة العربية والآداب. ولا تُسعف المصادر المتاحة بتفاصيل واسعة عن حياته أو تاريخ وفاته، فبقي التعريف به مرتبطاً بهذا العمل وبوصفه الوارد في صفحة عنوانه. وقد ارتبطت مدرسة غزير بتخريج عدد من الكتاب والمعلمين الذين عملوا في الصحافة والتعليم.

ويكشف الكتاب عن مؤلف متمكن من النثر العربي ومن أساليب السجع والوصف، وعارف بالتاريخ الأوروبي والمغربي إلى حد يسمح له ببناء حكاية تجري في القرن الثالث عشر. كما يكشف عن صلته بالمطبعة اليسوعية في بيروت، وهي التي نشرت عمله سنة 1874 م. ويظهر في النص اطلاع على أخبار أوروبا في العصور الوسطى، وهو اطلاع يفسر بثقافة المؤلف وبيئته المدرسية.

سياق العمل

صدر الكتاب في سبعينيات القرن التاسع عشر، وهي مرحلة شهدت نهضة صحافية ومطبعية في بيروت، وظهرت فيها أولى المحاولات العربية في الرواية التاريخية والاجتماعية. وكانت المطابع اليسوعية في بيروت من أبرز من نشر الأعمال الأدبية والتعليمية في المشرق. وكانت بيروت في تلك الفترة مركزاً للطباعة والنشر، تصدر منها الصحف والكتب والمجلات.

وفي هذا المناخ كان الكتاب العربي يبحث عن أشكال سردية جديدة، بين الحكاية التراثية والمقامة والترجمة عن الأدب الأوروبي. ويأتي كتاب فريدة المغرب في هذا المسار، إذ يجمع بين أسلوب المقامة وسجعها، وبين بناء روائي يمتد على صفحات، في محاولة للجمع بين القديم والحديث في الأدب العربي.

الموضوعات والأفكار

تقوم الحكاية على موضوع السفر والبحث عن الأصل، إذ تفرق الأقدار بين الشخصيات ثم تجمعها في مسار واحد. ويستعمل المؤلف البحر بوصفه فضاءً للخطر والتحول، فالسفينة التي تفتتح النص تصبح رمزاً لانتقال الإنسان بين العوالم، وموضعاً لاختبار الصبر والوفاء.

وتظهر في النص موضوعات الشرف والأمانة والوفاء بالعهد، إلى جانب موضوع اللقاء بين الشرق والغرب، إذ تتداخل أحداث المغرب بأحداث أوروبا. ويقدم المؤلف هذه الموضوعات في إطار أخلاقي واضح، إذ يجعل الجزاء مرتبطاً بالسلوك، ويقف عند العواقب الأخلاقية لاختيارات الشخصيات من دون أن يمحو تعقيدها. ويجعل النشأة والبيئة تفسيراً لسلوكهم، فيربط بين التربية واختياراتهم.

الأسلوب الفني

أسلوب الكتاب نثري مسجوع في كثير من صفحاته، يجمع بين جمال اللفظ ووضوح المعنى، ويستعمل الوصف المفصل للمشاهد الطبيعية والبحرية. والجمل فيه موقعة على إيقاع داخلي، والحوار قليل نسبياً، إذ يفضّل المؤلف السرد على المحاورة. ويستعمل الصور المستمدة من الطبيعة: الرياح والأمواج والليل والقمر، فيبني بها مشاهد الحكاية.

ويلاحظ القارئ حضور الشعر داخل النص، إذ تتخلل الأحداث أبيات تناسب مقامها، وهي سمة من سمات السرد العربي القديم. كما يلاحظ تكرار المخاطبة المباشرة للقارئ، والتنبيه إلى العبرة في أثناء الحكاية، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى حكاية مربية منها إلى رواية حديثة. ويطغى الوصف على الحوار، فيبطؤ الإيقاع في بعض المواضع، وهي سمة شائعة في نثر تلك المرحلة.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من أوائل النصوص الروائية العربية المطبوعة في بيروت في سبعينيات القرن التاسع عشر، ويُستشهد به في دراسات نشأة الرواية العربية، وفي بحوث عصر النهضة العربية الأدبية.

وقيمته اليوم تاريخية بالأساس، لأنه يحفظ مرحلة من مراحل تحول السرد العربي من المقامة إلى الرواية، ويكشف عن الذائقة التي كان يخاطبها كتاب ذلك العهد. ويُذكر في الكتابات التي تتناول بدايات الطباعة الأدبية في بيروت. ولا يُعرف له انتشار واسع خارج أوساط القراء في بيروت والشام، لكنه يبقى شاهداً على محاولة مبكرة لتأسيس حكاية عربية طويلة.

معلومات النشر

صدر الكتاب سنة 1874 م في بيروت بمطبعة الآباء المرسلين اليسوعيين، على ما ورد في بيانات النسخة المصورة. ولم يُذكر في الوصف المتاح عدد صفحاته، ولا طبعة أخرى له، فبقيت هذه الطبعة هي المعروفة في المصادر.

وتتوافر منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات الرقمية، وهي المصدر المعتمد في هذه الصفحة. ويُقرأ الكتاب اليوم بوصفه وثيقة أدبية وتاريخية، لا بوصفه رواية معاصرة، لأن لغته وبناؤه ينتميان إلى مرحلة مختلفة من تطور السرد العربي.