نبذة في أصول الفلسفة الطبيعية - إبراهيم النبراوي
كتاب طبي تعليمي صدر سنة 1837، يجمع ثلاث نبذ متتابعة: نبذة في أصول الفلسفة الطبيعية، ونبذة في التشريح العام، ونبذة في التشريح المرضي، وضعها أمير اللواء كلوت بك لتعليم تلامذة الطب، ونقلها إلى العربية إبراهيم أفندي النبراوي. ويُعدّ نموذجاً من نماذج الترجمة الطبية التي رافقت إنشاء المدارس الحديثة في مصر في عهد محمد علي، حين نُقلت خلاصات العلوم الأوروبية إلى العربية في صياغة موجهة إلى الطلبة. ويقف القارئ فيه على مرحلة كان فيها تعريب العلوم الطبية عملاً جديداً، يحتاج إلى اجتهاد في اختيار اللفظ وتقريب المعنى.
نبذة عن العمل
يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام متصلة، يمهّد أولها لمبادئ الفلسفة الطبيعية، أي دراسة الأجسام وخواصها والحركة والحرارة والهواء والماء، ثم ينتقل ثانيها إلى تركيب جسم الإنسان وأعضائه، ويختم ثالثها بالتشريح المرضي وما يعرض للأعضاء من تغيرات. وهذا الترتيب يتبع منهجاً تعليمياً متدرجاً: من العام إلى الخاص، ومن الطبيعي إلى الحيوي، ومن السليم إلى المريض.
ووُضع الكتاب لمصلحة تلامذة الطب في المدارس المصرية الحديثة، فجاءت عبارته مختصرة، وفقراته قصيرة، ومصطلحاته محدودة بقدر ما تستوعبه مرحلة التعليم الأولى. ويظهر في الصياغة جهد تعريب مبكر، إذ يقابل المترجم الألفاظ الأوروبية بمصطلحات عربية جديدة أو مستعملة في الطب القديم، فيُقرأ النص اليوم شاهداً على طور تكوين اللغة الطبية العربية الحديثة.
نبذة عن المؤلف
إبراهيم أفندي النبراوي مترجم طبي من العاملين في نقل العلوم الحديثة إلى العربية في مصر في القرن التاسع عشر، ويرتبط اسمه بهذا الكتاب الذي نقله من مؤلفات كلوت بك. ولا يقدم المصدر المتاح تفاصيل وافية عن مولده أو وفاته، فيُكتفى بالإشارة إلى عمله في الترجمة الطبية في تلك المرحلة.
أما الأصل فوضعه كلوت بك، وهو طبيب أوروبي خدم في مصر في عهد محمد علي، وأسهم في تنظيم التعليم الطبي والخدمات الصحية فيها، وله مصنفات في الطب والتشريح. وقد صيغت هذه النبذ على هيئة دروس موجهة إلى الطلبة، ثم تولى النبراوي تعريبها لتكون مقرراً عربياً بين أيديهم. ويكشف اشتراكهما في العمل عن صلة بين الخبرة الطبية الأوروبية واللغة العربية.
سياق العمل
شهدت مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر حركة إصلاح واسعة طالت الجيش والإدارة والتعليم، وأنشئت فيها مدارس متخصصة في الطب والهندسة واللغات. واحتاجت هذه المدارس إلى مقررات بالعربية، فقامت حركة ترجمة نشطة نقلت كتباً أوروبية في العلوم والطب، وكان هذا الكتاب من ثمارها.
وكان التعليم الطبي حينها يعتمد على التشريح والمشاهدة، فتقررت دراسة الأعضاء السليمة قبل دراسة المصابة، وهو ما يفسر الجمع بين التشريح العام والتشريح المرضي في كتاب واحد. ويعكس النص كذلك موقع مصر بين الشرق والغرب في تلك الحقبة، إذ جمع بين معجم طبي عربي تراثي ومفاهيم علمية واردة من أوروبا، في لغة كانت ما تزال تبحث عن اصطلاحها.
الموضوعات والأفكار
يتناول القسم الأول خواص المادة والهواء والماء والحرارة والرطوبة، وهي موضوعات كانت تُدرّس تحت اسم الفلسفة الطبيعية قبل تفرع الفيزياء والكيمياء. ثم يعرض القسم الثاني أعضاء الجسم وأجهزته ووظائفها، ويصف القسم الثالث ما يطرأ عليها من تغير في المرض، ويربط بين التغير العضوي والعلامة الظاهرة.
وتتكرر في الكتاب فكرة أن فهم البنية السليمة شرط لفهم المرض، وأن المعرفة النظرية ينبغي أن تُسانَد بالمشاهدة. كما يظهر حرص على الربط بين ما يُقرأ في الكتب وما يُلاحظ في المستشفى، وهو اتجاه تعليمي كان جديداً في مدارس الطب المصرية في ذلك العصر، ويدل على انتقال تدريس الطب من الحفظ إلى الملاحظة.
الأسلوب الفني
الأسلوب تقريري تعليمي، يعتمد التعريف والإحصاء والتقسيم، ويستعمل عناوين فرعية وفقرات مرقمة لتسهيل الحفظ. والجمل قصيرة، والألفاظ محدودة الدلالة، ويكثر فيها التمثيل بالمحسوس لتقريب المعنى إلى ذهن الطالب المبتدئ. وهذا الأسلوب مألوف في المقررات العلمية الأولى التي تُعنى بضبط الحدود قبل التوسع.
ويبدو أثر الترجمة في بعض التراكيب، إذ يجري نقل الجملة الأوروبية على ترتيبها أحياناً، فيثقل النص ويغلب عليه طابع التقرير لا طابع الإنشاء. ومع ذلك يحافظ النص على عربية سليمة في معظمه، ويستعمل المصطلح القديم إلى جانب المصطلح المستحدث حين يجد المترجم في الأول غنى عن الثاني، أو حين يخشى غموض الجديد.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب وثيقة من وثائق التعليم الطبي في مصر في القرن التاسع عشر، ومرجعاً في دراسة المصطلح الطبي العربي الحديث ونشأته. وقد أفاد منه مؤرخو الطب واللغة معاً، لأنه يجمع بين مادة علمية ومصطلح في طور التشكل، ويكشف عن طريقة نقل العلوم إلى العربية في تلك المرحلة.
كما يفيد في معرفة المناهج التي دُرّس بها التشريح في المدارس المصرية، وفي تتبع انتقال الأفكار الطبية الأوروبية إلى المشرق. ويظل نفعه تاريخياً أكثر من كونه عملياً، إذ تغيرت العلوم الطبية بعده تغيراً كبيراً، لكنه يحفظ صورة اللحظة التي بدأ فيها الطب الحديث يتكلم العربية.
معلومات النشر
صدر الكتاب سنة 1837، وجاء في ثلاث نبذ متصلة كما يشير عنوانه، ولم تُسجل في المصدر المتاح بيانات عن عدد صفحاته أو عن المطبعة التي أخرجته. وتوجد منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات، يُرجع إليها الباحث مع مراعاة اختلاف حالات التصوير. ويُرجع في ترجمة المترجم إلى إبراهيم النبراوي.
ولا تتوافر له ترجمات أخرى منشورة بحسب ما هو معروف، إذ كُتب أصلاً بالعربية للاستعمال المحلي في مدارس مصر. وتفيد النسخة المصورة في دراسة تاريخ الطب والتعليم واللغة، ولا يُستفاد منها في المعرفة الطبية المعاصرة، وإنما في تتبع مراحل تكوينها وطرق تدريسها.
