قراءة في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي: مرآة المجتمع المصري والتحولات الكبرى

قراءة تحليلية في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار لعبد الرحمن الجبرتي: منهج الحوليات والتراجم، وتوثيق الحياة اليومية في مصر، وشهادته على الحملة الفرنسية وعهد محمد علي.

قراءة في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي: مرآة المجتمع المصري والتحولات الكبرى

كيف يبدو التاريخ حين يكتبه شاهد عيان يرقب الحوادث من شرفة بيته في القاهرة، ويسجل يومياً أسعار الخبز، ومنسوب فيضان النيل، ومجالس العلماء، ومواكب الولاة، ثم يفاجأ بمدافع جيش أوروبي حديث تدق أبواب مدينته عام 1798م؟ هذا هو المشهد الفريد الذي حفظه لنا المؤرخ والفلكي المصري عبد الرحمن الجبرتي في موسوعته التاريخية الخالدة “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، المعروفة اختصاراً بـ”تاريخ الجبرتي”. لا يكتفي الكتاب بسرد أخبار السلاطين والأمراء، بل يفتح نافذةً حية على الحياة اليومية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية في مصر على مدى أكثر من مئة وثلاثين عاماً، موثقاً لحظة الصدمة الحضارية الكبرى إبان الحملة الفرنسية وصعود محمد علي باشا. في هذه القراءة نستعرض سيرة الجبرتي ومنهجه وأبرز محاور كتابه.

نبذة عن الكتاب والمؤلف

وُلد الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي في القاهرة عام 1754م (1167هـ) لأسرة علمية عريقة يرجع أصلها إلى إقليم “جبرت” في بلاد الحبشة (إريتريا وإثيوبيا الحالية)، حيث اشتهر أجداده بالعلم والورع وتولوا رئاسة “رواق الجبرتية” في الجامع الأزهر. وكان والده الشيخ حسن الجبرتي من كبار علماء عصره، إذ جمع بين الفقه الحنفي واللغة من جهة، وعلوم الفلك والرياضيات والهندسة وصناعة المزاول والآلات الفلكية من جهة أخرى، وكان بيته في حي الصنادقية وبولاق مقصداً للعلماء والطلاب وحتى لبعض المستشرقين الأوروبيين الذين زاروا القاهرة في القرن الثامن عشر.

نشأ عبد الرحمن في هذا البيت العلمي الزاخر بالمخطوطات والآلات الفلكية، فحفظ القرآن الكريم وتلقى العلوم الشرعية واللغوية والفلكية على يد والده وكبار شيوخ الأزهر، مثل الشيخ مرتضى الزبيدي صاحب “تاج العروس”، الذي شجعه على تدوين التراجم والوفيات. عاصر الجبرتي أواخر عهد المماليك العثمانيين، ثم شهد دخول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798م وعُيّن عضواً في “الديوان” الثالث الذي أُنشئ في عهد الجنرال مينو، ثم عاصر الفوضى التي أعقبت رحيل الفرنسيين وتولي محمد علي باشا حكم مصر عام 1805م. وفي أواخر حياته فُجع الجبرتي بمقتل ابنه خليل عام 1822م، فبكى عليه حتى كُفّ بصره، وتوفي في القاهرة عام 1825م.

الفكرة المحورية وعالم العمل

يقع كتاب “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” في أربعة أجزاء كبرى، ويؤرخ لتاريخ مصر منذ مطلع القرن الثاني عشر الهجري (أواخر القرن السابع عشر الميلادي، نحو عام 1688م) حتى نهاية سنة 1236هـ (1821م). وقد جمع الجبرتي في الجزء الأول أخبار العقود التي سبقت مولده معتمداً على السجلات الرسمية، والوقفيات، وشواهد القبور، وروايات الشيوخ المعمرين، أما الأجزاء الثلاثة التالية فهي شهادة معاينة مباشرة لحوادث عاشها المؤلف يوماً بيوم.

يقوم بناء الكتاب على المزج الدقيق بين فنين تاريخيين عريقين في التراث الإسلامي: فن “الحوليات” وفن “التراجم”. ففي كل سنة هجرية يسرد الجبرتي أولاً الوقائع السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية مرتبةً بحسب الأشهر والأيام، فإذا فرغ من حوادث السنة، عقد فصلاً خاصاً لـ”التراجم والوفيات”، يترجم فيه لمن توفي في تلك السنة من العلماء والأدباء والأمراء والتجار وأهل الحرف، راسماً بذلك صورةً بانورامية شاملة لطبقات المجتمع المصري كافة.

أهم الأفكار والمحاور الرئيسية

توثيق المجتمع المصري في العهد العثماني والمملوكي

في الجزءين الأول والثاني يقدم الجبرتي أوفى سجل تاريخي لنظام الحكم والإدارة والحياة الاجتماعية في مصر قبيل العصر الحديث. فهو يرصد الصراع المستمر بين البكوات المماليك (مثل علي بك الكبير ومحمد بك أبي الذهب ثم مراد بك وإبراهيم بك) وبين الولاة العثمانيين، وما كان ينجم عن ذلك الصراع من فرض المغارم والضرائب الجائرة على التجار والفلاحين. وفي مقابل اضطراب السياسة، يوثق الجبرتي ازدهار الحلقات العلمية في الجامع الأزهر، ونظام الطوائف الحرفية، وعادات المصريين في المواسم والأعياد، وأحوال الأسواق والعملات.

الحملة الفرنسية: صدمة المدفع والمختبر العلمي

يمثل الجزء الثالث من الكتاب ذروة التشويق التاريخي؛ إذ يفتتحه الجبرتي بعبارته الشهيرة عن سنة 1213هـ (1798م) بوصفها “أول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة”. ويسجل الجبرتي بدقة مذهلة نزول الفرنسيين بالإسكندرية، وهزيمة المماليك في معركة إمبابة، ودخول بونابرت القاهرة. ولا يقتصر الجبرتي على رفض الاحتلال الفرنسي وفضح قسوته في قمع ثورتي القاهرة الأولى والثانية واقتحام الجامع الأزهر بالخيول، بل يملك من الموضوعية العلمية ما يجعله يزور “المجمع العلمي” الفرنسي في الأزبكية، ويصف بإعجاب العالم الفلكي مختبرات الكيمياء والفيزياء، والمكتبة المنظمة، والتجارب العلمية، وطريقة المحاكمة القضائية في محاكمة سليمان الحلبي.

دور الأزهر والزعامة الشعبية في الأزمات

يبرز الكتاب المكانة المحورية لعلماء الأزهر الشريف بوصفهم الممثلين الطبيعيين للشعب المصري عند غياب السلطة العادلة أو انكسار الجند. فمن خلال صفحات الجبرتي نتابع مواقف شيوخ الأزهر وتجاره الكبار، مثل الشيخ عبد الله الشرقاوي وعمر مكرم والشيخ السادات، وكيف كانوا يتصدون لظلم الأمراء المماليك، ثم كيف قادوا المقاومة والمفاوضات إبان الاحتلال الفرنسي، وصولاً إلى دورهم الحاسم عام 1805م في عزل الوالي العثماني خورشيد باشا واختيار محمد علي والياً بشروط العدل والشورى.

نقد الاحتكار والتحولات الاقتصادية في عهد محمد علي

في الجزء الرابع يتناول الجبرتي السنوات الست عشرة الأولى من حكم محمد علي باشا (من 1805م إلى 1821م). وعلى الرغم من إشادة الجبرتي بقضاء محمد علي على فوضى العساكر والمماليك وتأمين الطرق، فإنه يوجه نقداً جريئاً وموثقاً لسياسة “الاحتكار” الاقتصادي ومصادرة الأراضي والأوقاف والالتزامات، وإرهاق الفلاحين والتجار بالضرائب والرسوم المستحدثة. هذه الجرأة في نقد السلطة القائمة هي التي جعلت الكتاب يُمنع من التداول العلني والطبع في مصر عقوداً طويلة حتى طُبع كاملاً في مطبعة بولاق عام 1880م.

العدل أساس العمران في فلسفة الجبرتي

يفتتح الجبرتي موسوعته بمقدمة نظرية رصينة يبحث فيها في معنى التاريخ وأصناف العدل وحكمة الاجتماع الإنساني، متأثراً بوضوح بمنهج ابن خلدون. ويخلص الجبرتي من تتبعه لحوادث أكثر من قرن إلى سنة تاريخية ثابتة: أن الدول لا تدوم بالبطش والجباية، بل بالعدل في الرعية، واحترام الشريعة، وصيانة أموال الناس وأرزاقهم، وأنه متى فشا الظلم وتسلط الجند على الأسواق والزروع تراجع العمران وذهبت هيبة الدولة أمام أعدائها.

الأسلوب الفني والسمات الأدبية

يكتب الجبرتي بلغة تقع في منزلة وسطى بين الفصحى التراثية الجزلة ولغة التخاطب القاهرية الحية في القرن الثامن عشر؛ فحين يكتب المقدمات أو يترجم لكبار العلماء والأدباء يستعمل عبارة عربية فصيحة محكمة قد يوشيها بشيء من السجع غير المتكلف، أما حين يسرد الوقائع اليومية وحوارات العامة والنداءات الرسمية في الأسواق، فإنه ينقل الألفاظ والمصطلحات الإدارية والاجتماعية كما نطق بها أصحابها، مما جعل كتابه كنزاً لغوياً واجتماعياً لا يقدر بثمن لدراسة تاريخ الحياة اليومية.

ومن السمات النقدية اللافتة في أسلوب الجبرتي حرصه على إثبات “الوثائق النصية” كاملةً داخل سرده؛ فهو ينسخ المنشور الذي وزعه نابليون بونابرت بالعربية عند دخوله مصر، ثم يتبعه بتحليل نقدي ولغوي وعقدي يفند فيه مزاعم المنشور وركاكة عبارته جملةً بعد جملة. كما يتميز بوصفه الدقيق للمشاهد البصرية، حتى ليخيل للقارئ أنه يرى بعينيه مواكب الحجيج، أو فزع الناس يوم معركة إمبابة، أو تجارب الهواء والكهرباء في دار العلماء الفرنسيين.

أبرز الاقتباسات والمقولات

إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل شرع لهم الأحكام، وأقام بينهم الميزان، وجعل قوام الدنيا وصلاح العمران بالعدل والإنصاف، فإذا ارتفع العدل من بين القوم حلّ بهم الخراب والشتات.

يلخص هذا النص من مقدمة الكتاب الرؤية الفلسفية والشرعية التي يحاكم بها الجبرتي جميع الوقائع السياسية؛ فالعدل عنده ليس فضيلةً أخلاقية فحسب، بل هو القانون الحافظ لبقاء الدول والعمران.

كانت سنة ثلاث عشرة ومئتين وألف أول سني الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتتابع المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع.

بهذه العبارة المسجوعة المهيبة يفتتح الجبرتي الجزء الثالث من تاريخه، معبراً عن هول الصدمة التي أحدثها الغزو الفرنسي لمصر عام 1798م وانقلاب الموازين السياسية والاجتماعية المألوفة.

وذهبنا إلى دارهم التي جعلوها مجمعاً للكتب والعلوم، فرأينا فيها كتباً جليلة في سائر الفنون، وخزائن مرتبة، وآلات فلكية وهندسية غريبة الصنعة، وأحضروا لنا زجاجات فيها مياه مركبة إذا مزجوا بعضها ببعض خرج منها دخان ونار.

يصف الجبرتي في هذه الفقرة الشهيرة زيارته للمجمع العلمي الفرنسي بالقاهرة، كاشفاً عن عقلية العالم الفلكي الذي يميز بوعي بين رفض العدوان العسكري والانتباه للتقدم العلمي والتجريبي.

ولما عجز الأمراء عن دفع العدو واشتغل كل واحد منهم بنفسه وجمع ماله ومتاعه للفرار، بقي أهل البلد كالغنم بلا راعٍ، واضطربت الأسواق، وخرج الناس على وجوههم لا يدرون إلى أين يتوجهون.

ينقل هذا المشهد الحيوي لحظة انهيار جيش المماليك بعد معركة إمبابة (الأهرام)، وفرار مراد بك وإبراهيم بك، تاركين سكان القاهرة يواجهون مصيرهم وحدهم.

وإنما قيدت هذه الحوادث والوقائع في هذه الأوراق تذكرةً لنفسي، وعبرةً لمن يأتي بعدي من أولي الأبصار؛ ليعلموا كيف تتقلب الأحوال بالعباد، وكيف يورث الظلم والغفلة زوال النعم وخراب البلاد.

يبين المؤلف هنا غايته من تدوين يومياته التاريخية على مدى عقود؛ فالتاريخ عند الجبرتي ليس حكايات للتسلية، بل هو ديوان للعبرة وفهم سنن الاجتماع البشري.

كتب مشابهة نرشحها لك على إي كتاب

أسئلة شائعة حول كتاب عجائب الآثار للجبرتي

لماذا سُمّي عبد الرحمن الجبرتي بهذا اللقب؟
نسبةً إلى إقليم “جبرت” التاريخي في بلاد الحبشة (شرق أفريقيا)، وهي المنطقة التي قدم منها جده الأعلى الشيخ عبد الرحمن إلى مكة المكرمة ثم إلى القاهرة في القرن العاشر الهجري، حيث تولت أسرته مشيخة رواق الجبرتية بالأزهر الشريف.
ما الفرق بين كتابي "مظهر التقديس" و"عجائب الآثار" للجبرتي؟
“مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس” كتاب مختصر ألفه الجبرتي عام 1801م عقب خروج الحملة الفرنسية مباشرةً وقدمه للصدر الأعظم العثماني، أما “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” فهو موسوعته الشاملة في أربعة أجزاء، وفيها أرخ لأكثر من قرن وكتب بحرية أوسع ونقد أصرح.
لماذا مُنع طبع تاريخ الجبرتي في مصر عدة عقود؟
بسبب النقد الصريح الذي وجهه الجبرتي في الجزء الرابع من كتابه لسياسات محمد علي باشا الاقتصادية والإدارية ومصادرة الأرزاق والأوقاف، فظل الكتاب يُتداول في نسخ خطية حتى سُمح بطبعه كاملاً في مطبعة بولاق عام 1880م في عهد الخديوي توفيق.
ما هي القيمة العلمية لتراجم الوفيات في كتاب الجبرتي؟
تعد تراجم الجبرتي المصدر الأول والوحيد تقريباً لمعرفة سير مئات العلماء والأدباء والفلكيين والتجار وشيوخ الطرق وأرباب الحرف في مصر خلال القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، ولولاها لضاع الجزء الأكبر من التاريخ الثقافي والاجتماعي لتلك الحقبة.
هل يصلح كتاب عجائب الآثار للقارئ غير المتخصص في التاريخ؟
نعم، ولا سيما الجزء الثالث الخاص بوقائع الحملة الفرنسية وأوائل الجزء الرابع؛ فهما مكتوبان بأسلوب قصصي يومي مشوق يشبه المذكرات الحية، ويمكن للقارئ العام قراءتهما بسهولة ومتعة كبيرة.
شارك المقال