الطبيب - إبراهيم اليازجي وبشارة زلزل وخليل سعادة

الطبيب مجلة طبية علمية صدرت في بيروت سنة 1884 م، وأشرف على تحريرها إبراهيم اليازجي مع الطبيبين بشارة زلزل وخليل سعادة. جمعت المجلة في سنتها الأولى مقالات في الطب والصحة العامة والنظافة، ونقلت إلى العربية أبحاثاً من الدوريات الأوروبية، وعرضت مسائل من واقع الممارسة الطبية في المدينة. وهذه النسخة تجمع مواد السنة الأولى في مجلد واحد يقع في 524 صفحة. وتحفظ النسخة ترتيب المواد كما ظهرت في الأصل، وهو ما يعين الباحث على تتبع تاريخ المجلة. وتعد موادها اليوم وثيقة على بدايات الصحافة الطبية في المشرق العربي، وعلى شبكة الأطباء الذين عملوا في بيروت.

نبذة عن العمل

تتوزع مواد المجلة على أبواب ثابتة، منها ما يتصل بالطب الداخلي والأمراض المعدية، ومنها ما يعالج النظافة والغذاء والمسكن، ومنها ما يخص الصيدلة والعقاقير. ويجد القارئ إلى جانب المقالات أخباراً علمية قصيرة، وتعليقات على ما ينشر في الصحف الطبية الأوروبية. وتتخلل المقالات إعلانات قصيرة لصيدليات وأطباء، وهي مادة تفيد في تاريخ الحياة المهنية في بيروت.

ويظهر في المجلة حرص على مخاطبة القارئ المثقف لا الطبيب وحده، فكثير من المواد يشرح المرض وأسبابه وطرق الوقاية منه بلغة واضحة، ويقدم نصائح عملية في تدبير المنزل والطعام والماء. وهذا التوجه يجعلها وثيقة على انتشار الوعي الصحي في مدن المشرق.

نبذة عن المؤلف

إبراهيم اليازجي لغوي لبناني ولد سنة 1847 م وتوفي سنة 1906 م، عمل في تصحيح الكتب في المطابع البيروتية، ثم انتقل إلى القاهرة وواصل عمله في الصحافة واللغة. عُرف بكتاباته في نقد الأخطاء اللغوية الشائعة، وبمراجعه في اللغة والإنشاء. وقد عمل في المطابع زمناً، فاكتسب خبرة في تحقيق النصوص ومراجعة الأساليب.

وشاركه في تحرير المجلة طبيبان بيروتيان هما بشارة زلزل وخليل سعادة، وكان لهما اشتغال بالطب والتعليم والصحافة العلمية. وتُظهر أسماء المحررين الثلاثة صلة بين اللغوي والأطباء في مشروع واحد، وهي صلة تعكس تعاون أهل اللغة وأهل الطب في عمل علمي مشترك.

سياق العمل

صدرت المجلة في بيروت في عهد تتعدد فيه المطبوعات وتتسع فيه مدارس الطب. وكانت المدينة تعرف نشاطاً في الترجمة والصحافة، وظهرت فيها قبلها مجلات علمية عامة، فجاء الطبيب ليتخصص في حقل لم يكن له في العربية إلا القليل. وكانت بيروت في تلك الفترة تتصل بمصر وأوروبا عن طريق البريد والصحف، فتصل إليها الدوريات الطبية بسرعة نسبية.

وكانت السلطات العثمانية تراقب المطبوعات، فالتزمت المجلة بالأسلوب العلمي ونأت عن السياسة، وهو ما يفسر خلوها من الجدل العام. وقد أسهم في توجيهها حاجات القراء في بيروت ودمشق، حيث كانت العيادات والصيدليات تتوسع، وكان الناس يطلبون معرفة صحية بسيطة. وقد وجدت المجلة قراءها في الأطباء والصيادلة وطلاب المدارس، وفي طبقة مثقفة كانت تتوسع في المدن.

الموضوعات والأفكار

تدور مواد المجلة حول ثلاثة محاور: وصف الأمراض وأعراضها، وطرق الوقاية منها، ثم العلاج وما يتصل به من عقاقير. ويتكرر فيها الحديث عن الحميات والأوبئة والنظافة، وهي موضوعات كانت تشغل المدن في ذلك العصر.

وإلى جانب الطب الوقائي، تعنى المجلة بالغذاء والماء والهواء، وبأثر المناخ في الصحة، وبعض مسائل صحة الأطفال والنساء. وتظهر فيها نزعة تعليمية واضحة، إذ تشرح المصطلح الطبي وتقربه إلى القارئ، وتدعو إلى مراجعة الطبيب والابتعاد عن الوصفات الشعبية غير الموثوقة. وتدعو إلى الاعتدال في الطعام والهواء النقي، وإلى تنظيم أوقات النوم والعمل. وتشرح موادها ما يلزم في الإسعافات الأولية والجروح والحروق، وهي معرفة يحتاجها القارئ في بيته.

الأسلوب الفني

تكتب المجلة بلغة عربية فصيحة قريبة من لغة الصحافة في ذلك العصر، تجمع بين التراث اللغوي والمصطلح الحديث. وتعتمد التبويب والعنونة الفرعية، وتقسم المادة الطويلة إلى فقرات قصيرة تسهل القراءة السريعة. وتظهر العناية بالعنوان الرئيس والعناوين الجانبية، وهي سمة أخذتها الصحافة العربية عن الصحافة الأوروبية.

ويبدو أثر الترجمة في بعض التراكيب والمصطلحات، وهي سمة معروفة في الصحافة العلمية العربية في القرن التاسع عشر. وقد لجأ المحررون إلى الشرح والتفسير حين يغيب المقابل العربي، فصار عدد من المصطلحات الطبية المتداولة اليوم قريباً من صياغات تلك المرحلة. ومن هنا جاءت بعض المصطلحات التي لا تزال مستعملة في العربية الطبية إلى اليوم.

مكانة العمل وتأثيره

تُعدّ الطبيب من أوائل المجلات الطبية العربية في المشرق، وهي مرجع في تاريخ الصحافة العلمية وتاريخ الطب في لبنان. وتكشف موادها عن مستوى المعرفة الطبية المتاحة للقارئ العربي في الثمانينيات من القرن التاسع عشر. وتذكرها المصادر في تاريخ الصحافة العربية بوصفها تجربة مبكرة في التخصص العلمي داخل الصحافة العامة. وتكشف صفحاتها عن شبكة من العلاقات بين الأطباء والصحافيين في بيروت.

ويستفيد منها الباحث في تاريخ المصطلح الطبي العربي، وفي تاريخ التعليم الصحي، وفي دراسة علاقة الصحافة بالمؤسسات الطبية في بيروت. كما أنها توثق أسماء أطباء وصيدليين ومترجمين أسهموا في الحركة العلمية في المدينة.

معلومات النشر

صدرت السنة الأولى من المجلة في بيروت بين سنتي 1884 م و1885 م، وتجمع هذه النسخة موادها في مجلد واحد يقع في 524 صفحة. وقد ورد على صفحة العنوان اسم لجنة التأليف والسنة الأولى ومكان الصدور، وهي بيانات تيسر تصنيف النسخة. ويظهر في الصفحة الأولى تاريخ الصدور ورقم السنة، وهما معلمان أرشيفيان مهمان. وقد بيعت أعداد المجلة بالاشتراك السنوي، وهو نظام كان شائعاً في الصحافة العربية في ذلك الحين.

ويمكن للقارئ أن يعود إلى صفحة إبراهيم اليازجي للتعرف على سيرة أحد محرريها، وإلى مدخل الطب في الموسوعة الحرة لفهم السياق العام للمعرفة الطبية في تلك المرحلة.