أنفس الآثار في أشهر الأمصار - يوسف إليان سركيس

أنفس الآثار في أشهر الأمصار مجموعة رسائل كتبها يوسف إليان سركيس إلى أخيه ميخائيل أثناء رحلته من القسطنطينية إلى رومية سنة 1903 م، فجمعها بعد عودته في كتاب صدر في المطبعة الشرقية بحدث لبنان في السنة نفسها. وبلغ عدد صفحاته 181 صفحة. ويقف القارئ فيه على وصف المدن والآثار التي مرّ بها الرحالة، وعلى ملاحظاته في العمران والناس والحياة اليومية، مصوغة في أسلوب رسائلي قريب من القارئ. ويجمع الكتاب بين وصف العمارة والأثر، وبين ملاحظة الناس وأحوالهم، وقد صدر في السنة نفسها التي جرت فيها الرحلة، فجاء قريب العهد بالأحداث.

نبذة عن العمل

الكتاب مقتطف من رسائل متبادلة بين الرحالة وأخيه، جمعها المؤلف ورتبها لتكون سجلاً لرحلته الأوروبية. ويبدأ من القسطنطينية، ويتابع المسير إلى إيطاليا حتى رومية، فيصف في كل محطة ما يراه من أبنية وشوارع ومتاحف وكنائس وأسواق. ويكثر في الرسائل ذكر ما يلاحظه في تنظيم المدن من طرق ومياه وإنارة وحدائق.

ويُفهم من عنوانه أنه يقصد إلى وصف “أنفس الآثار” أي الجواهر الباقية من آثار الأمصار وأشهرها، لا إلى يوميات سفر مجردة. وهذا القصد يمنح الكتاب طابعاً انتقائياً، إذ يختار المؤلف من مشاهداته ما يراه جديراً بالتدوين، ويترك ما عداه من تفاصيل الطريق. ويكشف هذا الانتقاء عن ذوقه في تقدير ما يستحق الوصف من العمارة والفن، وعن خبرته في جمع المادة وترتيبها.

نبذة عن المؤلف

يوسف إليان سركيس باحث وناشر سوري توفي سنة 1932 م، ويُعرف بصاحب “معجم المطبوعات العربية والمعربة”، وهو معجم ضخم رصد فيه الكتب العربية المطبوعة ومؤلفيها وناشريها. وقد نشأ في دمشق ثم عمل في مصر، حيث اتسع نشاطه في الصحافة والتأليف والفهرسة. وقد أفادته تجربته في الصحافة والفهرسة عند وضع معجمه، إذ وسّعت معرفته بالمطبوعات والمطابع وأسماء المؤلفين.

وتكشف رحلته هذه عن جانب آخر من شخصيته، هو الرحالة الملاحظ الذي يهتم بالعمارة والآثار والمتاحف. ولا غرابة في ذلك، فالعمل الببليوغرافي الذي اشتهر به يقوم على التتبع والوصف الدقيق، وهما صفتان ظاهرتان في رسائله، إذ يدوّن ما يراه بعين الباحث الذي يجمع المادة وينظمها.

سياق العمل

تعود الرحلة إلى سنة 1903 م، وهي مرحلة شهدت فيها وسائل السفر تحولاً، إذ انتشرت السفن البخارية والسكك الحديدية، فتقاربت المسافات بين المشرق وأوروبا. وكانت القسطنطينية محطة رئيسية في هذا الطريق، يمر بها المسافرون إلى إيطاليا وفرنسا وغيرها. وكانت السفن تنقلهم من المرافئ العثمانية إلى الموانئ الإيطالية في رحلات تستغرق أياماً.

وكانت أوروبا في تلك المرحلة مقصداً للباحثين والكتاب العرب، يزورون متاحفها ومكتباتها ويقارنون بينها وبين مدنهم. ويأتي كتاب سركيس في هذا السياق من رحلات النهضة، حيث يصبح السفر وسيلة لملاحظة العمران والتقدم، ثم لنقل الصورة إلى القارئ العربي في المشرق ومصر.

الموضوعات والأفكار

تتناول الرسائل المدن التي نزل بها الرحالة: عمارتها وشوارعها وميادينها، ومتاحفها وما تضمه من تماثيل ولوحات، وكنائسها وقصورها. ويصف المؤلف الآثار القديمة التي شاهدها، ويقف عند حالتها وما لحقها من ترميم أو إهمال، ويقارن بينها وبين ما قرأه عنها في الكتب.

ويضم الكتاب ملاحظات اجتماعية عن الناس وأخلاقهم وعاداتهم وأسعار حياتهم، وعن وسائل النقل والفنادق والمطاعم. وهذه الملاحظات تجعل النص أقرب إلى مرآة للحياة اليومية في أوروبا مطلع القرن العشرين، كما تجعله وثيقة في تاريخ علم الجغرافيا الوصفي.

الأسلوب الفني

أسلوب الكتاب رسائلي، يبدأ بالتحية ويسير في وصف متصل، ويحتفظ بنبرة المخاطبة الشخصية لأخيه. والجمل فيه متوسطة الطول، والوصف يتقدم بالتفصيل الحسي: الألوان والأحجام والأصوات والروائح، مع ميل إلى الحكاية والطرفة أحياناً. ويستعمل الحوار القصير لنقل ما جرى له في الطريق، فيمنح الرسائل حيوية تقربها من القارئ.

ويعتمد المؤلف على المقارنة بين ما يراه وما يعرفه، فيقيس العمارة الأوروبية بالعمارة الشرقية، ويقيس العادات بعضها ببعض. وهذا الأسلوب المقارن يمنح النص بعداً تحليلياً إلى جانب الوصف، ويجعل قراءته مفيدة لمن يدرس صورة الآخر في الكتابات العربية الحديثة.

مكانة العمل وتأثيره

يُعدّ الكتاب من رحلات النهضة التي جمعت بين الوصف والملاحظة الاجتماعية، ويُستشهد به في الدراسات التي تتناول صورة أوروبا في الكتابات العربية مطلع القرن العشرين. كما يفيد منه الباحث في يوسف إليان سركيس وأعماله، لأن الرسائل تكشف عن مصادر تكوينه واهتماماته. ويفيد كذلك في التعريف بطباع الباحثين الرحالة في ذلك الجيل وأساليبهم في التدوين.

ومكانته مستمدة أيضاً من شهرة مؤلفه في الببليوغرافيا العربية، فكتابه هذا يُقرأ في سياق أعماله الأخرى، ويُستعمل في التعريف بشخصيته وثقافته. ويظل نصاً وصفيّاً يحفظ تفاصيل عمرانية واجتماعية لمدن زارها سنة 1903 م.

معلومات النشر

صدر الكتاب سنة 1903 م في المطبعة الشرقية بحدث لبنان، وبلغ عدد صفحاته 181 صفحة، على ما ورد في بيانات النسخة المصورة. وقد ذُكر في وصف النسخة أن الكتاب كان يُباع في مكاتب مصر وسوريا، ويُطلب من مكتبة في بيروت، وهو ما يدل على توزيعه في بلاد الشام ومصر معاً.

وتتوافر منه نسخة رقمية مصورة في الأرشيفات الرقمية، وهي المصدر المعتمد في هذه الصفحة. ولم يُذكر في الوصف المتاح ترجمة للكتاب إلى لغات أخرى، ولا طبعة ثانية له، فبقيت طبعة 1903 م هي المعروفة في المصادر.