رسالة في حوادث الجو - سليمان الحرائري
“رسالة في حوادث الجو” كتاب ألفه سليمان الحرائري، وطُبع سنة 1862م، ويتناول الظواهر التي تحدث في الهواء من رياح، وحر، وبرد، وسحاب، ومطر، وثلج، وبرد، وضباب، ورعد، وبرق، وقوس قزح، وكهرباء. ويقصد المؤلف إلى بيان أسباب هذه الظواهر على ما كان معروفاً في عصره، ويجمع بين ما ورد في كتب القدماء وما وصل إليه العلم الحديث في القرن التاسع عشر. ويقع الكتاب في 287 صفحة، ويُعدّ من المصنفات العربية المبكرة في وصف الجو وأحواله. وقد عني المؤلف بجمع هذه الظواهر في كتاب واحد، ليكون مرجعاً لمن يريد فهم ما يجري في الهواء. ويأتي في تقليد الرسائل العلمية القصيرة التي كانت تظهر في المشرق في تلك العقود.
نبذة عن العمل
يعرض الكتاب الظواهر الجوية واحدة بعد أخرى، فيبدأ بالرياح وأسباب هبوبها واتجاهاتها، ثم ينتقل إلى الحر والبرد وما ينتج عنهما من تغيرات في الهواء، ثم إلى السحاب وتكوّنه وأنواعه. ويخصص فصولاً للمطر والثلج والبرد والضباب، ويشرح كيف يتكون كل منها، ويأتي بعد ذلك إلى الرعد والبرق وقوس قزح.
ويجمع المؤلف في عرضه بين الوصف المشاهد والتفسير السببي، فيذكر ما يراه الناس من الظواهر ثم يبحث عن عللها في طبيعة الهواء والبخار والحرارة. ويظهر في الكتاب أثر المصنفات القديمة والكتب الحديثة معاً، وهو ما يجعله وثيقة على مرحلة انتقال في المعرفة الجوية عند العرب.
نبذة عن المؤلف
سليمان الحرائري الحسني مؤلف هذا الكتاب، ويصف نفسه في مقدمته بأنه فقير إلى ربه، وهي صيغة تواضع شائعة في تصانيف العلماء. ولا تثبت في البيانات المتاحة تفاصيل عن حياته وتعليمه، ولا سنة وفاته، ويقتصر ما يُعرف عنه على هذا الكتاب الذي جمع فيه مسائل الجو. ويظهر في الرسالة اهتمام بالتفسير الطبيعي للظواهر، لا بالوعظ ولا بالتأمل، وهو ما يميزها عن كثير من مصنفات عصرها.
ويبدو من مادته أنه كان على اطلاع على كتب الطبيعيات العربية، وأنه تابع ما وصل إليه البحث الأوروبي في القرن التاسع عشر، إذ يعرض تفسيرات حديثة لبعض الظواهر. ويشير اختياره موضوع الجو إلى اهتمام علمي عملي، لا إلى التأليف في الأدب أو الوعظ.
سياق العمل
صدر الكتاب في منتصف القرن التاسع عشر، في مرحلة كانت فيها المطابع في مصر وبلاد الشام تنشر كتباً في العلوم الحديثة، وتعرف حركة ترجمة نشطة في عهد محمد علي وخلفائه. وكان التعليم الحديث قد أدخل الطبيعيات والكيمياء والفلك إلى المدارس، فظهرت حاجة إلى مصنفات عربية تشرح هذه العلوم بلغة ميسورة. وكانت الصحافة العلمية في تلك المرحلة تنشر أخبار الاكتشافات، فتسربت إلى العربية مصطلحات جديدة.
وكان فهم الظواهر الجوية في تلك المرحلة يقوم على قوانين الضغط والحرارة والبخار، بعد أن تقدمت الأرصاد الجوية في أوروبا وتأسست شبكات الرصد. ويأتي الكتاب ليقدم هذا المزيج إلى القارئ العربي، ويحفظ صورة من كيفية انتقال المعرفة العلمية الحديثة إلى العربية في تلك الفترة.
الموضوعات والأفكار
يتناول الكتاب الرياح وأنواعها وأسباب اختلافها، والحر والبرد وما يتصل بهما من تغيرات في الهواء، والسحاب وأشكاله، والمطر والثلج والبرد والضباب. ويشرح تكوّن كل ظاهرة من بخار الماء وتكاثفه، ويبين العلاقة بين الحرارة والرطوبة في حدوثها. ويتصل هذا التفسير بما كان معروفاً عن تبخر الماء وتكاثفه، وهو أساس تفسير المطر في كتب الطبيعيات.
ويفرد المؤلف فصولاً للرعد والبرق وقوس قزح، فيعرض تفسيراً كهربائياً للرعد والبرق، وتفسيراً ضوئياً لقوس قزح يقوم على انكسار الضوء وانعكاسه في قطرات المطر، وهو تفسير تقوم عليه الهندسة الرياضية في دراسة زوايا الشعاع ومساره. ويعرض أيضاً مسائل الكهرباء الجوية، وهي من الموضوعات الحديثة في عصره، ويبين صلتها بالظواهر التي تظهر في السماء.
الأسلوب الفني
يجري الكتاب في أسلوب علمي تعليمي، يعرض الظاهرة ثم يبحث عن سببها، ويستعين بالأمثلة المشاهدة والقياس. ويستخدم المؤلف لغة واضحة تناسب قارئاً غير متخصص، ويقلل من الاصطلاح الفني المعقد، ويشرح الألفاظ الجديدة عند ورودها.
ويظهر في الصياغة حرص على الترتيب والتبويب، فتأتي الظواهر في فصول متتابعة يربطها وحدة الموضوع. ويستعين المؤلف أحياناً بالتشبيه لتقريب الفكرة، ويقارن بين تفسيرات القدماء وما استقر عليه العلم الحديث، فيكشف النص عن وعي بحدود المعرفة القديمة.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب من المصنفات العربية المبكرة التي عرضت الظواهر الجوية عرضاً علمياً منظماً، ويفيد الباحث في تاريخ العلوم في المشرق، وفي دراسة دخول الأرصاد الجوية إلى الثقافة العربية. ويحفظ أيضاً صورة من المصطلح العربي في هذا الحقل قبل استقراره في العصر الحديث. ويظهر في الكتاب أثر المناخ العلمي في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، حيث نشطت المدارس والمطبوعات والبعثات.
ويستدعيه دارس تاريخ العلوم في تتبع انتقال تفسير الظواهر من التعليل القديم إلى التعليل الطبيعي، ويجد فيه مادة عن الكهرباء الجوية قبل أن تصبح فرعاً مستقلاً من فروع الفيزياء. ويحفظ وجوده في الأرشيفات الرقمية إمكان الرجوع إليه، بعد أن كان نسخة نادرة يصعب الوصول إليها.
معلومات النشر
طُبع الكتاب سنة 1862م، وبلغ 287 صفحة، ولا تثبت في البيانات المتاحة تفاصيل دار النشر ولا الطبعة، ويُعرف العمل من نسخته المصورة المحفوظة في الأرشيفات الرقمية. ويشير حجمه إلى أنه رسالة موسعة لا كتيب مختصر. ويُرجح أن تكون طبعت في مصر، حيث كانت مطابع القاهرة تنشر هذا النوع من الرسائل العلمية في تلك العقود.
ولا تُعرف للكتاب ترجمة إلى لغات أخرى ولا طبعة حديثة محققة بحسب ما هو متاح، فيبقى الأصل المطبوع مرجعاً. ويفيد منه الباحث في تاريخ العلوم العربية الحديثة، وفي دراسة المصطلح العلمي في القرن التاسع عشر، ويصلح مادة لمقارنة ما كان معروفاً عن الجو بما استقر عليه علم الأرصاد اليوم.




