رسالة الطاعون - محمد صفوت
“رسالة الطاعون أو التيفوس البقري” كتاب طبي وإداري قصير للدكتور محمد صفوت، صدر بمطبعة اللواء في مصر سنة 1903 م، ويقع في أربع وسبعين صفحة. تعرض الرسالة مرض الطاعون وما يُعرف بالتيفوس البقري، وتنتقل من وصف الداء إلى التدابير العملية التي تتخذها السلطات والأطباء لوقاية الناس والمواشي. وقد وُجهت إلى جمهور واسع من أصحاب الاختصاص والمسؤولين، فجمعت بين المعلومة الطبية واللوائح الإدارية في نص واحد. ويقف القارئ على نصوص تجمع بين العلم والتنظيم، وتُظهر كيف كانت الدولة تحمي ثروتها الحيوانية بقواعد مكتوبة، لا باجتهاد الموظفين وحدهم.
نبذة عن العمل
تتناول الرسالة الطاعون وما يُعرف بالتيفوس البقري، فتعرض طبيعته وأعراضه وطرائق انتقاله، ثم تنتقل إلى التدابير التي يجب أن يتخذها الأطباء والسلطات. وقد وُجهت إلى جمهور واسع: الأطباء البيطريين والبشريين، والعمد والمشايخ ونظار الأقسام، وضباط الصحة، وعمال الكورنتينات، والمحامين والنيابات والقضاء، ومأموري الزراعة ومفتشي الأسواق والزرائب. ويشير غلافها إلى أن فيها بلاغات وجزاءات واحتراسات صحية، وإلى طريقة تحرير استمارات التعويضات على نحو قانوني.
ويفهم من هذا التوجيه أن الغرض عملي في المقام الأول: فالمؤلف لا يكتب لجمهور القراء عامة، بل لمن يتولون التنفيذ في الأحياء والقرى والأسواق، والذين يحتاجون إلى معرفة ما يُبلَّغ عنه، وما يُحجر عليه، ومن يتحمل النفقة عند إتلاف الحيوان أو المتاع.
نبذة عن المؤلف
الدكتور محمد صفوت طبيب مصري، تشير رسالته إلى اشتغاله بالطب البيطري والصحة العامة، وإلى معرفة دقيقة باللوائح الإدارية التي تحكم مواجهة الأوبئة في مصر مطلع القرن العشرين. ولم تُسعف المصادر المتاحة بتفاصيل موسعة عن سيرته العلمية وسنة وفاته. ويظهر من ترتيب الرسالة وخاتمتها أنها صيغت لمنفعة عملية، وأن صاحبها كان على صلة بالمصالح الصحية التي تتولى المراقبة والتنفيذ في الأقاليم.
ويُلحظ في الرسالة أن صاحبها يعرف مصطلحات الإدارة المصرية في عصره: أسماء الوظائف، ومراتب البلاغ، وصيغ المحاضر الرسمية. وهذا يدل على عمل مباشر داخل الجهاز الصحي أو اتصال وثيق به، لا على تأليف نظري من خارج المؤسسة. ويُرجّح أن يكون الكتاب قد صدر لخدمة هؤلاء الموظفين في المقام الأول، ثم وصل إلى جمهور أوسع من القراء.
سياق العمل
صدرت الرسالة سنة 1903 م، في مرحلة كانت فيها مصر تعتمد على الثروة الحيوانية في الزراعة والنقل، وكانت نوبات الأوبئة التي تصيب المواشي تهدد الفلاحة والأسواق والأسعار. وقد عرفت الإدارة المصرية منذ أواخر القرن التاسع عشر تنظيمات للصحة العامة وإدارة للكورنتينات، تتولى مراقبة الداخل والسواحل. وفي هذا الإطار جاءت الرسالة لتفسر اللوائح القائمة، ولتبين للمكلفين بها كيف تُطبَّق في حالات الاشتباه والإصابة.
وكانت الأمراض الوبائية التي تصيب المواشي تنتقل إلى الإنسان في بعض صورها، فتضاعف خطرها، وتجعل الوقاية مسألة إدارية لا طبية فقط. وقد اهتمت الدولة المصرية بالمراعي والأسواق والزرائب، ووضعت إجراءات للمراقبة على الحدود والموانئ، لأن تجارة المواشي كانت تعبر بين مصر وبلاد السودان والشام. ويُظهر الكتاب أن مواجهة الوباء كانت تحتاج تنسيقاً بين الأطباء والمحامين والإداريين.
الموضوعات والأفكار
تتوزع موضوعات الرسالة على أربعة محاور: تعريف المرض وأعراضه، وطرائق انتقاله بين الحيوان والإنسان، والتدابير الوقائية من حجر وعزل وتطهير، ثم الجانب الإداري والقانوني في البلاغ والتعويض والجزاء. ويُلحظ في النص إدراك للصلة بين صحة الحيوان وصحة الإنسان، وهي صلة لم تكن دائماً واضحة في الكتابات الطبية الشعبية. ويعنى المؤلف بمسؤولية السلطة المحلية، فيحدد لكل موظف ما يلزمه، ويربط بين إهمال الإجراء وانتشار الداء.
ويقف النص عند أخلاقيات التعامل مع الحيوان المصاب، فيحدد طرق الإتلاف وأماكن الدفن وشروط التطهير، ويمنع التصرف في الجلود واللحوم على نحو يضر بالصحة. ويعنى بتبسيط المعلومة لغير المتخصص، فيشرح علامات الاشتباه التي يمكن لرئيس القرية أو مأمور الزراعة أن يلحظها، ويحيله إلى الطبيب عند التأكد، وهو تنظيم للعمل يسبق الإدارة الحديثة للأوبئة.
الأسلوب الفني
الرسالة عمل تقني موجه إلى العاملين، فيغلب عليها التعريف والتصنيف والتعداد، وتنتقل من وصف المرض إلى الإجراء الإداري في تسلسل واضح. ويستعمل المؤلف لغة مباشرة قريبة من لغة اللوائح، يقصد بها الإفهام لا الزخرفة، ويكثر من التفصيلات العملية التي تصنع فرقاً في الميدان. ويظهر في بعض صفحاتها أثر الصياغة القانونية، وهو أثر طبيعي في كتيب يُراد منه أن يُستند إليه في البلاغ والتعويض والتقصير. ويُستعمل في بعض المواضع أسلوب المخاطبة المباشرة للمكلفين، فيقال لهم ما يجب وما يُمنع، وهو أسلوب يناسب كتيباً إدارياً أكثر من كتاب مدرسي.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب وثيقة من وثائق تاريخ الصحة العامة في مصر، لأنه يجمع بين المعلومة الطبية والتنظيم الإداري في مرحلة كانت الدولة تبني فيها أدواتها الصحية. ويفيد الباحث في تاريخ الطب البيطري، وفي دراسة العلاقة بين الأوبئة والاقتصاد الزراعي. كما يلقي ضوءاً على طريقة تعامل القانون المصري مع الأضرار الناتجة عن الإجراءات الصحية، من حيث التعويض والجزاء والمسؤولية، وهو جانب قليل التوثيق في الكتابات الطبية العربية الحديثة. ويقع النص في سياق تاريخ الطب الحديث، حين انتقل الاهتمام من علاج الفرد إلى حماية الجماعة.
ويلفت الكتاب النظر إلى أن الصحة العامة في مصر كانت تُدار بلغة القانون لا بلغة الطب وحدها، إذ تتكرر فيه ألفاظ البلاغ والجزاء والتعويض والمسؤولية. وهذا الجانب يجعل الرسالة مفيدة في تاريخ القانون الإداري، وفي فهم كيف كانت الدولة تعوّض من يتضرر بإجراء صحي مشروع، وهو سؤال ما يزال مطروحاً في إدارة الأزمات الصحية.
معلومات النشر
طُبعت الرسالة بمطبعة اللواء بمصر سنة 1903 م، وتقع في أربع وسبعين صفحة، وتحمل على صفحة عنوانها اسم المؤلف وصفته العلمية. وتشير بياناتها إلى أن حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، وهو نص متكرر في مطبوعات تلك المرحلة. ولا تذكر الطبعة عدداً ولا ناشراً مستقلاً، ويُستفاد من العنوان الفرعي أن الرسالة عُنيت بمرضين متصلين، أحدهما يصيب الإنسان والآخر يصيب المواشي. وكانت المطبعة من المطابع التي نشرت كتباً في الشأن العام، وهو ما يضع الرسالة في سياق النشر الصحفي لا النشر الطبي المتخصص وحده. ويُعدّ من الكتب التي تجمع بين الطب والإدارة في كتيب واحد.




