الأنوار العباسية في أعمال الحفر والردم الأساسية - محمد زكي
“الأنوار العباسية في أعمال الحفر والردم الأساسية” كتاب هندسي لمحمد زكي، مهندس ري الجيزة، صدرت طبعته الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة 1318 هـ الموافقة 1901 م. يتناول الكتاب الأعمال الترابية التي تُهيَّأ بها الأرض قبل وضع الأساسات، وهي مرحلة يقلّ فيها التصنيف وتكثر فيها الأخطاء، إذ يتوقف عليها استقرار المنشأ وسلامته بعد البناء. ويأتي الكتاب في سياق النهضة العمرانية التي عرفتها مصر في أواخر القرن التاسع عشر. ويُعدّ من الكتب التي أرادت أن تنقل خبرة المهندسين المصريين في العمل الميداني إلى لغة عربية مكتوبة.
نبذة عن العمل
يدور الكتاب على أعمال الحفر والردم التي تُهيَّأ بها الأرض قبل وضع الأساسات، وهي المرحلة التي تسبق بناء المنشآت وتحدد سلامتها. ويتناول أنواع التربة، وطرائق الحفر، وتسوية الأرض، ونقل الأتربة وردمها، وضبط الميول، وتقدير الكميات، ومتابعة العمال. ويعرض ما يحتاجه المهندس في الموقع من قواعد حسابية وقياسات، ويضع العمل في سياق المشروعات العامة التي كانت مصر تشهدها في مطلع القرن العشرين.
ويبدو من عنوان الكتاب أنه يريد أن يجمع بين الجانب النظري والجانب التنفيذي، فليس غرضه وصف الأعمال وصفاً عاماً، بل تزويد المهندس بما يعينه على تقدير العمل وتنفيذه ومراجعته. وهذا النمط من الكتب الفنية كان يحتاجه الموظفون في المصالح الحكومية أكثر من غيرهم.
نبذة عن المؤلف
محمد زكي مهندس مصري، عُرّف على غلاف كتابه بأنه مهندس ري الجيزة، وهي وظيفة تدل على اشتغاله بأعمال الري والمنشآت المائية في مصر. ولا تُقدّم المصادر المتاحة تفاصيل موسعة عن مراحل تعليمه وعمله. ويشير عمله إلى تكوين هندسي عملي، وإلى صلة بالمشروعات التي كانت تُنفَّذ في الأقاليم، حيث تُختبر المعرفة بمواجهة التربة والمياه وحسابات الكميات. ويُرجّح أنه كان مسؤولاً عن أعمال تحتاج إلى تقدير الكميات قبل التنفيذ وبعده، وهو ما يفسر عنايته بموضوع الحفر والردم.
سياق العمل
صدر الكتاب سنة 1901 م، في مرحلة كانت فيها مصر تشهد توسعاً في المشروعات العامة: الري والقناطر والسكك الحديدية والمباني الحكومية. وكانت المدرسة الهندسية والمصالح الفنية تخرّج مهندسين يحتاجون إلى مراجع عربية في موادهم، بعد أن كان الاعتماد على كتب أجنبية. وفي هذا السياق نشطت المطبعة الأميرية ببولاق في طبع الكتب العلمية والفنية، وأصبحت مؤلفات الهندسة العربية جزءاً من حركة تعريب العلوم.
وكانت أعمال الري في تلك الفترة تحتاج إلى حفر وردم واسع في الترع والجسور والقناطر، وهي أعمال تتصل اتصالاً مباشراً بما يبحثه الكتاب. وكانت المصالح الفنية تعتمد على دفاتر وجداول لتقدير الكميات ومحاسبة المقاولين، فاحتاج المهندس إلى معرفة دقيقة بالحساب والقياس، وإلى لغة موحدة يصف بها العمل ويتابع تنفيذه، ويفصل في الخلاف بين المهندس والمقاول حول كمية أو مسافة أو ميل.
الموضوعات والأفكار
تتوزع موضوعات الكتاب على دقة القياس، وتقدير الكميات، وتنظيم العمل، وسلامة المنشآت. فالمسألة الأولى تقنية: كيف تُقاس الأبعاد وتُحسب الأحجام وتُضبط الميول. والثانية اقتصادية: كيف تُقدَّر الكلفة وتُراقب النفقات. والثالثة إدارية: كيف يُنظَّم العمال وتُتابع المراحل. ويجمع الكتاب بينها لأن أعمال الحفر والردم لا تنجح بمعرفة نظرية وحدها، بل بانتظام يجمع الحساب والتنفيذ والمراقبة في عمل واحد. ويقوم العمل في جوهره على تطبيق مبادئ الهندسة الرياضية في قياس الأرض وحساب الحجوم.
ويتصل بهذا الجانب المعجمي جانب آخر هو الأمانة في النقل، فالمؤلف يبني عمله على ما استقر عليه عمل المهندسين في عصره، ويحاول أن يثبته في لغة عربية واضحة. وهذه المحاولة نفسها مادة للبحث، لأنها تكشف كيف تُصاغ المفاهيم التقنية الوافدة في لسان عربي، وأي الألفاظ استقر وأيها اندثر بعد ذلك.
الأسلوب الفني
أسلوب الكتاب فني مباشر، يقوم على التعريف والتصنيف والأمثلة العددية، ويستعمل لغة مهنية دقيقة تفترض في القارئ معرفة أولية بالحساب والمساحة. ويُعنى بالتفصيل الإجرائي أكثر من عنايته بالشرح النظري، فيقف عند خطوات العمل وترتيبها. ويُظهر النص جهداً في تكوين مصطلح هندسي عربي في مرحلة كانت المصطلحات فيها تتشكل وتتنازعها الاستعمالات المحلية والترجمات المختلفة.
ويظهر في الكتاب حرص على ترتيب الموضوع: تعريف المصطلح، ثم شرح العملية، ثم المثال أو القاعدة. وهذا الترتيب التعليمي يجعله صالحاً للتدريس في المدارس الفنية كما يجعله صالحاً للمراجعة السريعة في الموقع، وهو ما يفسر طبعه في مطبعة حكومية ووضعه بين كتب المصالح.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب وثيقة من وثائق تعريب العلوم الهندسية في مصر، وشاهداً على اهتمام الدولة بطباعة المراجع الفنية العربية وتوزيعها على موظفيها. ويفيد الباحث في تاريخ الهندسة المدنية وأعمال البنية التحتية، وفي دراسة المصطلح الفني العربي الحديث. وقيمته العملية أنه يحفظ طريقة تنفيذ الأعمال الترابية في تلك المرحلة، قبل دخول الآلات الحديثة، حين كان العمل يعتمد على الأيدي والعربات والدواب والحساب اليدوي.
ويُقرأ الكتاب كذلك في سياق تاريخ الطباعة الأميرية، التي أصدرت في تلك العقود كتباً في الحساب والمساحة والميكانيكا والطب، وكانت توزعها على المدارس والمصالح. ومن هنا تتصل قيمة الكتاب بقيمة المؤسسة التي طبعته، لا بالمؤلف وحده، لأن الاختيار والمراجعة والطباعة كانت تمر بمراحل إدارية تضبط المحتوى.
معلومات النشر
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر المحمية، سنة 1318 هـ الموافقة 1901 م، وتحمل إشارة إلى حفظ حقوق الطبع للمؤلف. ولا تُثبت البيانات عدد صفحات النسخة، ولا تذكر سعراً ولا ناشراً تجارياً، إذ تتولى المطبعة الأميرية الطبع. ويحمل الغلاف اسم المؤلف وصفته مهندساً لري الجيزة، والعنوان الكامل الذي يحدد موضوع الكتاب بدقة. ويؤكد ذلك أن الكتاب صدر لخدمة عمل حكومي، لا لتأليف حر. وهو نمط من الطبع الحكومي لا يعنى بالدعاية للكتاب، بل بتوفيره لمن يحتاجه من الموظفين.




