التعريفات الشافية لمريد الجغرافية - رفاعة الطهطاوي
التعريفات الشافية لمريد الجغرافية كتاب تعليمي وضعه رفاعة الطهطاوي سنة 1838 ليكون مدخلاً إلى علم الجغرافيا، يشرح مصطلحاته ويحدد معانيها في لغة عربية واضحة. يقع في 432 صفحة، ويجمع بين التعريف اللغوي والشرح العلمي، ويستند إلى ما استقر في كتب الجغرافيا والفلك من مفاهيم، في صورة تناسب طلاب المدارس الحديثة التي أُنشئت في مصر في عهد محمد علي. ويقف القارئ فيه على طريقة من طرائق تعريب العلوم في ذلك العصر، حين كان المؤلفون يجمعون بين النقل والشرح والتقريب للطلاب.
نبذة عن العمل
الكتاب معجم مصطلحي في الجغرافيا، يعرض فيه المؤلف مفردات العلم ومفاهيمه، ويشرح كل مصطلح شرحاً موجزاً يحدد معناه ويميزه عما يشبهه. ويتناول ما يتصل بهيئة الأرض وأقسامها، وبالخطوط والمناطق والمناخ، وبالبحار والأنهار والجبال، وبالمصطلحات الفلكية التي لا تنفصل عن الجغرافيا في تصور ذلك العصر. وترتيبه ترتيب تعليمي، يقصد إلى تمكين المبتدئ من لغة العلم قبل أن ينتقل إلى قراءة الكتب المطولة في هذا الباب.
ويستعين المؤلف في تعريفاته بما استقر في كتب الجغرافيا المترجمة إلى العربية، فيقابل بين المصطلح العربي وما يقابله في اللغات الأوروبية عند الحاجة، ويشرح ما استغلق منها على الطالب المبتدئ. ويُستدل من كثرة المصطلحات الفلكية التي يشرحها على أن الجغرافيا كانت تُعدّ علماً مركباً من الوصف والحساب.
نبذة عن المؤلف
رفاعة رافع الطهطاوي من أعلام النهضة المصرية، توفي سنة 1873. تخرج في الأزهر، ثم أُوفد إماماً للبعثة العلمية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا، فدرس هناك اللغات والعلوم الحديثة، وعاد ليعمل في الترجمة والتعليم. تولى إدارة مدرسة الألسن، وأشرف على ترجمة عدد من الكتب العلمية والتاريخية إلى العربية، وكان له أثر واضح في تعريب المصطلحات الحديثة وتهيئة اللغة لاستقبال العلوم الجديدة.
وقد جمع بين تكوينه الأزهري واطلاعه على العلوم الحديثة، فكان قادراً على نقل المصطلح وشرحه في الوقت نفسه، وهو ما يظهر في كتبه التعليمية. وترك أثراً في الجيل الذي تتلمذ عليه، ومنه من واصل العمل في الترجمة والتعليم بالمدارس الجديدة، فصار لمساره أثر في جيل كامل من المتعلمين.
سياق العمل
ظهر الكتاب في عهد محمد علي، حين أُنشئت المدارس الحديثة والبعثات العلمية والمطابع الأميرية، فاحتاجت الدولة إلى كتب عربية تخدم التعليم الجديد. وكانت الجغرافيا من العلوم التي عنيت بها تلك المدارس، لما لها من فائدة في الإدارة والجيش والتجارة. فوضع الطهطاوي هذا الكتاب ليكون مرجعاً للمبتدئين، وليوطّن المصطلح الجغرافي في العربية بعد أن كان يرد في الترجمات مضطرباً بين لفظ ولفظ.
وكان الطهطاوي يرى أن تعريب العلم شرط لاستقلال التعليم عن اللغة الأجنبية، وأن العربية قادرة على استيعاب المصطلح إذا وجد من يشتغل به. وكانت مدرسة الألسن التي أشرف عليها مركزاً لتعريب الكتب العلمية، فخرجت منها ترجمات في الجغرافيا والتاريخ والطب والهندسة، وأسهمت في تكوين لغة عربية حديثة للعلوم.
الموضوعات والأفكار
يعرض الكتاب تعريفات لمفاهيم أساسية: شكل الأرض وأبعادها، وخطوط الطول والعرض، والمناطق الحرارية، والمناخ والأمطار والرياح، والبحار والخلجان والأنهار والجبال. ويتناول مصطلحات وصف البلدان والأقاليم، وما يتصل بالسكان والعمران. ويقف عند بعض المفاهيم الفلكية كحركة الأرض ودورانها وما ينتج عنهما، لأن علم الجغرافيا في ذلك العصر كان يُدرس مقترناً بعلم الهيئة. ويستعين في الشرح بأمثلة من البلدان المعروفة.
ويُلاحظ أن المؤلف يعرّف المصطلح تعريفاً مزدوجاً: لغوياً من جهة أصل اللفظ، واصطلاحياً من جهة استعماله في العلم، وهو منهج يفيد الطالب في فهم المصطلح لا في حفظه وحده. ويُستفاد من تعريفاته في دراسة تطور الخطاب التعليمي العربي في القرن التاسع عشر.
الأسلوب الفني
يغلب على الكتاب أسلوب التعريف المباشر: يذكر المصطلح، ثم يشرحه في جمل قصيرة، ثم يذكر ما يفرقه عن غيره. ولغته فصحى حديثة، خالية من الزخرفة، مقصودة إلى الإفهام، مع حرص على سلامة التركيب ووضوح الدلالة. ويظهر فيه أثر الترجمة في بناء بعض الجمل، لكن المؤلف يعمد إلى تفسير المصطلحات الغريبة وتقريبها، فيجعل النص صالحاً لطالب في أول طريقه إلى العلم، لا لخاصة المتخصصين.
ويستعمل المؤلف أمثلة من البلدان التي كانت معروفة للقارئ المصري في ذلك العصر، فيقرّب المفاهيم البعيدة بالمقارنة بما يعرفه، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى درس مدرسي منه إلى معجم مجرد. ويُستفاد من أسلوبه في دراسة تطور النثر العلمي العربي في تلك المرحلة.
مكانة العمل وتأثيره
يُعدّ الكتاب من أوائل المؤلفات المدرسية العربية في الجغرافيا، وله مكان في تاريخ تعريب العلوم في مصر. وقد أفاد منه طلاب المدارس والمعاهد، واعتمده من جاء بعده من المؤلفين في صياغة المصطلح الجغرافي. ويقف الباحث عنده على مرحلة انتقال: مرحلة كان فيها المصطلح العلمي العربي في طور التكوين، وكانت الترجمة تعمل على إيجاد مقابل عربي دقيق لمفاهيم وردت بلغات أخرى.
ويُذكر الكتاب في تاريخ حركة الترجمة في مصر، إلى جانب أعمال الطهطاوي الأخرى في الجغرافيا والتاريخ. ويُستفاد منه في دراسة المصطلح الجغرافي العربي في مرحلة تكوينه، وفي معرفة ما استقر منه وما اندثر، لأن كثيراً من تعريفاته لم يبق مستعملاً في الكتب الحديثة.
معلومات النشر
صدر الكتاب سنة 1838، وتقع نسخته في 432 صفحة. ولا تذكر بيانات النسخة المتاحة اسم المطبعة ولا مكان الطبع، فيُقتصر على سنة الإصدار وما ورد في صفحة العنوان. وقد صُوّرت النسخة تصويراً رقمياً وأتيحت للباحثين في الأرشيفات الرقمية، ويُلاحظ فيها طابع الطباعة القديمة من حيث الخط والتشكيل وترقيم الصفحات، وهو ما يفيد في دراسة تاريخ الكتاب المدرسي في مصر.




